أدب وفنون

يومٌ واحد للحياة “24 ساعة في حياة امرأة”

“لا بدّ أن هناك قوة غير مفهومة أو إرادة غامضة تطغى على تفكير الشخص فيقدم دون وعي على أمر ترجح فيه كفة هلاكه”.

عن اللحظة التي تختزل حياةَ كاملة، عن الصدفة التي تحمل طعم الصفعة التي قد تُفقدك صوابك، حيواتٌ كثيرة تتلعثم وتنقلبُ معاييرها، بين العقلانية المتكئة على مفاهيم الصواب والأخلاق والموروثات والزمن الممتد، والجنون الذي ينسف كل ما سبق، عبر أخيلة تشكّل عالمًا مختلفًا، قوامه الجنون والشغف والعفوية المطلقة والحرية والآنية، تنقّل ستيفان زفايغ في روايته (24 ساعة في حياة امرأة) ليثبت مجددًا رؤيته الشخصية، عبر مسيرة حياته، والشغف المفقود الذي يشكّل نقطة الضوء الوحيدة في اليوميات التي خذلته، والمشبعة بالتفاصيل المظلمة، ليُنهيها بانتحاره.

مثّل الراوي حيّزًا يحتمل بقوة أن يكون للكاتب نفسه؛ حيث لا قيمة للوقت في حضور الحب المباغت، ولا وجود للتصنيفات التي تُحاكم العاشق، وفق معايير مسبقة، وبرأيه المتفرّد، حينما هربت السيدة الإنكليزية “هنرييت”، الآتية من طبقة أرستقراطية، تاركةً خلفها زوجها البدين وابنتيها، لتلحق بالحبّ الذي تمثَّل لها بشابٍّ وسيم واجتماعي، جاء نزيلًا حديثًا إلى النّزل. تمكّن الراوي من إحداث خلل في علاقته مع كل نزلاء الفندق الصغير على ضفاف “الريفييرا”، وخلقِ خلافٍ يجعل من الجو خليطًا من الحذر والخوف وتجنّب التصادم الكلامي.

“كثيرًا ما تقع المرأة في حياتها ضحية لعوامل مبهمة، أقوى من إرادتها وخصالها، فلا يمكن الحكم على هذه المرأة بالفجور.. ثم أوضحتُ أن اللجوء إلى الأساليب الملتوية، وطمس الحقائق، إنما نغرر به أنفسنا، حتى لا نستشعر بشاعة غرائزنا..”.

تبريرٌ واحدٌ للحظة الهروب بدافع الحب المفاجئ والمباغت، خاطفًا تلك السيدة من بيتها وطبقتها ومنطقيتها إلى ساحة اللامنطق والعبث، حيث هناك ما يستحق أن يعيشه المرء دون أسباب أو تفكير في النتائج، سابحًا في بحر تعلو أمواجه الرغبة والشهوة والشغف، والتحوّل الجذري لكل المعطيات السابقة، جعل الراوي في مواجهة، انتهت باكتشافه القريب للسيدة “س” التي حرّكها ما قاله الراوي، ودفعها إلى سرد حكايتها السرية له، لتصبح الراوي الثاني في الجزء الثاني من الرواية، ولنكتشف أن عنوان الرواية ما هو إلا عنوان لتلك السيدة التي حاولت إنقاذ شابٍّ من المقامرة بحياته، ونشله عن طاولة الربح والخسارة، فوجدت نفسها ترمي وقارها وسمْعتها أدراج الريح، وتقعُ فريسةَ اللحظة التي جعلتها تستيقظ عاريةً على سرير ذاك الغريب، وتكتشفُ أنوثتها المُغيَّبة إثر فقدان زوجها. تلك المرأة التي تقضي أغلب أوقاتها في القراءة أو العزف على البيانو، حملت الرواية، بعيدًا عن مقدِّمتها، لتحتلَّ بطولتها، وتفردَ أسئلةً جدليةً كثيرة، إن لم تكن تحتمل إجابات، فيكفي ما تقدّمه من أفقٍ أكثر حقيقة من الحقيقة نفسها، وهي تتحدث عن يومٍ واحدٍ جعلها رهينةَ التفكير به لما تبقى من حياتها.

“ماذا في أن تمرّ بالمرء لحظة من لحظات الطيش.. مرةً واحدة في هذا العمر المديد؟! ولكن أين المفر من ذلك الرقيب الغامض.. الضمير؟!”.

مقاربةٌ واضحة بين الحب والقمار، هذا الرهان الذي قلّما ينصفنا، وسط خساراتٍ كثيرة. هذا التردد والاحتماء بالعقل من تيارٍ جارف، عادةً ما يجرّنا بعد أن نفلتَ من قبضة الجدوى، إلى سماء الهذيان الحر، إضافةً إلى الشاعرية الواضحة، القائمة على محمل الرومانسية والانطباعية، تُغذِّيها جمل تصف الطبيعة وقراءة حركة الأيدي وشكلها وارتباطها بالنَّفس البشرية، والمشاعر المرتبطة بالانفعالات الكثيرة والمتحولة، كالخوف والحب والخشوع والتمرد والتنمر وغيرها، واختصار الحياة في وجه الحبيب، وما عداه جماد ميتٌ وبارد.

هذه التفاصيل التي لم تغب عن روايات زفايغ بالمجمل، حيث يتقن صنعتها، ويجعل منها لعبته التي ينقلنا بها إلى مسرح الحدث الحكائي، ليصبح ناطقًا ومسموعًا، ونصبح بفعله أكثر تعاطفًا مع الشخصيات والأمكنة أولًا، ومع إنسانيتنا ثانيًا وأخيرًا، ويسرِّب الماضي إلى الحاضر بحضورٍ كامل، بقدر ما يجعل مما هو شخصي أكثر الأشياء تعميمًا.

هكذا تنكسر الرتابة التي نشيخ على يديها بنفحةِ حبٍّ واحدة، تحمل من الطاقة العاطفية، ما يكفي لمخزون عمرٍ بأكمله، وينهزم الألم على ساعد حب الحياة، ويصبح التعريف الوحيد للشيخوخة هو الخوف والعيش في الماضي.

مقالات ذات صلة

إغلاق