تحقيقات وتقارير سياسية

أسئلة في كارثة المعتقلين

كتبَ أستاذ الفلسفة المعروف أحمد برقاوي، على صفحته، تحت عنوان (دهشة): “كل الحزن والألم الذي ولّده خبر مقتل ثمانية آلاف معتقل سوري في سجون الطاغية لم يمنعني من طرح السؤال: من أي طينة قُدّتْ نفوس هؤلاء القتلة، يقضون على حياة شخص أعزل لم يستخدم سوى حنجرته للتعبير عما يريد؟ من أي مستنقع حقد شرب هذا الجلاد الذي يسلب روح ابن بلده تعذيبًا؟”.

في واقع الحال، عند تناول هذه الكارثة الوطنية، لفهم أبعاد هذه المأساة وطبيعة الطغمة الحاكمة، لا بد لنا من طرح المزيد من الأسئلة:

– لماذا لم يُعلِم هذا النظام المجرم الأهالي بنبأ قتل أبنائهم قبل سنوات، علمًا أن تواقيت قتلهم، حسب القوائم التي سلمتها سلطات الطغمة الحاكمة، بعضها يعود إلى سنوات خلت؟

– لماذا صمت كل هذا الوقت؟

– لماذا لجأ النظام إلى عمليات التعذيب؟ لماذا لم يعدم المعتقلين بالرصاص، وقَتَلهم بعد تعذيب طويل؟

– هل هي السادية وحدها؟!

من المؤكد أن كل الرهط من الوحوش الذين يعملون بإمرة سفاح العصر يمتلكون قدرًا لا متناهيًا من السادية والوحشية، مارسوها على المعتقلين، حسب شهادة الشهود وحسب الصور التي شاهدناها لضحايا التعذيب.

وردًا على السؤال الذي طرحه البرقاوي، نقول إنه ليس من الضروري أن يكون من سلب المعتقلين أرواحهم من أبناء البلد، وذلك منوط بمسألة الانتماء، وهنالك احتمالان: الأول أن يكون هؤلاء القتلة مأجورين من ميليشيات إيرانية أو عراقية أو غيرها، والثاني أنهم سوريو المولد، لكنهم ينتمون إلى السلطة، لا إلى الوطن، أَي أن ولاءهم للسلطان، وليس للإنسان.

أما لماذا ماطلت سلطات القتل والإجرام في إعلام ذوي المعتقلين بإعدام أبنائهم، فذلك أيضًا يعود لسببين اثنين: الأول هو إفقار ذوي المعتقل، بدفعهم إلى صرف مدخراتهم لسماسرة السلطة ولصوصها، من أجل معرفة مصير أبنائهم: أهم أحياء أم أموات، دون أن يتمكنوا جتى من زيارتهم، وقد حصل في حالات كثيرة أن أخبر السمسار ذوي المعتقل أن ابنهم حي يُرزق وهو متوفى! وعاش الأهل طوال تلك السنوات على الأمل. والسبب الثاني هو أن فاشية السلطة الحاكمة أرادت كسر عامل الإرادة والصمود لدى ذوي المعتقل، من خلال إسكاتهم طوال فترة اعتقال ابنهم خشيةً عليه من القتل، فَلَو كان هناك نظام محترم وسلطة قضائية عادلة ومحاكم للمعتقلين؛ فلن يلبث أَي معتقل أن يخرج بعد أيام، أو بعد أسابيع على أبعد تقدير، من المعتقل، وهذا يعني أن الحراك الثوري سيستمر سنين طويلة، وهذا مفقود بالكامل في سورية، حيث لا النظام محترم ولا القضاء عادل.

قمة كارثة المعتقلين لم تكن من طرف النظام الذي أعدمهم في الزنازين، وإنما من طرف المعارضة التي تعاملت على مدار سنوات مع الكارثة على أنها أحد ملفاتها الهامشية، علمًا أن القرار الأممي 2254 نصَّ بكل وضوح على ضرورة إطلاق سراح المعتقلين، قبل الدخول في أي عملية تفاوضية.

أما في اجتماع أستانا الذي عُقد قبل أيام، فكانت كارثة كُبرى، وهي أن تُعلن روسيا أن المعارضة مجرمة أيضًا، وأن لديها معتقلين، وأنها في صدد إطلاق سراح بعضهم مقابل أن يُطلق النظام سراح بعض المعتقلين من جانبه! لا أعلم على وجه الدقة أين يخفي أحمد طعمة المعتقلين لديه من طرف النظام، ولَم أكن أعلم أن لدى ياسر الفرحان (عضو الائتلاف) قوة عسكرية استطاعت اعتقال جنود تابعين للنظام، وكذلك الأمر لأيمن العاسمي وسلوى أوكتاي، هل لدى هؤلاء فعلًا معتقلون من النظام؟!

ننتظر لنرى نتائج هذه المسرحية الهزلية السوداء التي تلعب فيها شخصيات معارضة دورَ الكومبارس غير آبهين بأرواح عشرات آلاف المعتقلين ممن ما زال مصيرهم مجهولًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق