أدب وفنون

هنيئًا علي فرزات

في السادس من آب الجاري، فاز الفنان السوري علي فرزات للمرة الثانية بجائزة (ساخاروف) للدفاع عن حرية الفكر والتعبير، وكتب في صفحته على (فيسبوك) أن له الشرف في نيل جائزة “مُنحت للزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا”. الجائزة التي سبق أن كانت من نصيبه في الحادي عشر من تشرين الأول عام 2011، عام انطلاق الثورة السورية، وتعرضه لهجمة تأديبية شرسة، هشمت أصابعه التي تجرأت وأبدعت رسومًا سخرت من رأس النظام السوري وأجهزته القمعية، وحينها قدم فرزات جائزته تحية لـ “كل الشهداء الذين بذلوا دماءهم في سبيل الحرية”.

علي فرزات لم يكن فقط واحدًا من أوائل الفنانين الذين انضموا إلى انتفاضة الشعب السوري، إنما كانت رسومه الساخرة ثورة بحد ذاتها، حملها المحتجون وطافوا بها في التظاهرات. ثورة تخمرت ونضجت خلال تجربة تشكيلية تزيد على الأربعين عامًا، انشغلت بتعرية مظاهر الاستبداد والفساد والتخلف، والتزمت الدفاع عن حق الإنسان في الحرية والعيش الكريم، فريشته المتمردة لطالما جالت في المناطق المعتمة والمسكوت عنها، ودخلت البيوت الفقيرة والسجون، بحثًا عن الجياع والمظلومين والمعتقلين، وصوّرت الجنرالات وأصحاب النفوذ متهكمة على بطشهم وتعلقهم الأعمى بالسلطة.

وُلد علي فرزات في حماة عام 1951، وبدأ ينشر رسومه مبكرًا، وهو ما يزال في الثامنة عشرة من عمره، ومع الجهد المتواصل والاكتساب المعرفي؛ راحت تجربته تغتني وتتبلور وتكتسب خصوصياتها الفنية والجمالية، فعلى المنحى الفكري، لم تكن موضوعاته مقيّدة بحدود الزمن والجغرافيا، بل كانت مفتوحة على العالم الواسع، تحاكي القواسم المشتركة التي تتوحد حولها آمال البشر وهمومهم، من توقهم الدائم إلى الحرية والعدالة والمساواة، إلى بحثهم المتواصل عن الحب والجمال والسلام، كما هو موضوعه في لوحة الحيوانات المندهشة، وهي تشاهد التلفزيون يعرض مشهد قتل الإنسان للإنسان.

في بدايات تجربته، كان فرزات يضيف إلى رسومه عبارات توضيحية مقتضبة، لكنه تخلى عن ذلك لتبقى الخطوط والأشكال هي وحدها الكفيلة بإيصال الفكرة، بعدها أخذ يستلهم أصول اللوحة بأبعادها التشكيلية، من حيث المساحة والمعالجة والتكوين، ثم في مرحلة لاحقة من التجريب، أدخل اللون إلى الكاريكاتير، مع الحفاظ على إيقاع الأبيض والأسود بجديته ورصانته، كما عمل في بعض الأحيان على خلط ألوانه بالمواد الطبيعية، كالتراب، وصولًا إلى تعبير أعمق لموضوعاته وإحساس أدق بها. ومع هذه الخصوصيات مجتمعة، استطاعت رسومه الساخرة أن تشق طريقها نحو العالمية، وأن تحظى بتقدير وإعجاب المتلقين العرب والأجانب، وتنال عدة جوائز دولية، منها الجائزة الأولى لمهرجان صوفيا الدولي في بلغاريا عام 1987، لكنها لم تنل تكريم وطنه على الإطلاق.

أوائل عام 2001، أطلق علي فرزات صحيفة (الدومري) الساخرة، وكانت أول صحيفة انتقادية مستقلة تصدر في سورية، بعد تأميم قطاع الإعلام في عام 1963، وأضحت الصحيفة الأكثر شعبية ومبيعًا، منذ صدورها حتى تاريخ سحب ترخصيها وإغلاقها في عام 2003، وهو نفس العام الذي نال فيه فرزات جائزة الأمير كلاوس الهولندية.

مع بداية الثورة السورية؛ حدث انقلاب جذري في أسلوب فرزات التشكيلي، فلم تعد رسومه تقتصر على محاكاة المشترك في التجربة الإنسانية، بل باتت تنتمي بكل خطوطها وتفاصيلها إلى نبض الشارع وعذابات السوريين وهم يواجهون طغيان الدكتاتورية الحاكمة، ولم يعد المتنفذون والجنرالات مجرد رموز بلا هوية محددة؛ بل باتوا أشخاصًا بملامح واقعية واضحة، مثل رسم الأسد وهو خائف أن يقلب الروزنامة إلى يوم الجمعة أو يوم التظاهرات، وهذا الانتقال المباغت من لغة الإشارة والتلميح إلى ساحة الوقائع الحية، أدى إلى أن ينال المبدع المعارض نصيبه من التأديب والتشريد، قبل أن تمنحه منظمة “مراسلون بلا حدود” جائزة الشجاعة لعام 2011.

هنيئًا لعلي فرزات فوزه بكل الجوائز التي كرمت إسهامه الفني في الثقافة الكونية. هنيئًا له انتصاره المعنوي بمنحه جائزة (ساخاروف) مرتين منذ قيام الثورة السورية، انتصار يفخر به كل الذين يعارضون الاستبداد، ويحلمون بسورية الحرة، على الرغم من المفارقة المرة التي تنسج خلفية المشهد في كلتي اللحظتين: لحظة اليقين برحيل طاغية الشام الحتمي والقريب، ولحظة ضياع كل يقين بأن أحدًا سيتدخل لحماية السوريين.

*جائزة “ساخاروف”: جائزة يمنحها برلمان الاتحاد الأوروبي سنويًا لتكريم شخصيات تميزت بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير عبر العالم، وقد أُطلقت الجائزة عام 1988 باسم العالم والناشط السوفييتي أندريا سخاروف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: 1688upx

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق