سلايدرقضايا المجتمع

ورم (السيدة) إنساني.. وسرطان الوطن سياسي

يبقى التعليق على المرض، وأسبابه وظروفه، مسألة شخصية وإنسانية، كونها خارج إرادة البشر. لكن إذا تعلق الأمر فقط بتعاطف مع فئة محددة من المرضى، أو الضحايا بشكل عام، فإن هذا يستوجب التوقف عنده، لأسباب كثيرة ينظر إليها من زاوية واحدة منزوعة الإنسانية والأخلاق والضمير.

الخبر أن زوجة الطاغية بشار الأسد مصابة بورم خبيث في الثدي. وكالة (سانا) الرسمية نشرت الخبر مع صورة تُظهر المريضة إلى جانب زوجها. والمطلوب من الخبر والصورة استحضار أكبر جمهور للتعاطف والتضرع لله لشفائها. فقط في هذه الحالة يراد للعقل الإنساني أن يكون محايدًا ومتجردًا من أسباب ودوافع سياسية أو شخصية!

كثير من السوريين كانوا ضحايا لمجرم وقاتل مهووس بالسلطة. المرض وضحاياه هنا مختلفون، وجرائم الحرب التي وقعت على السوريين من مجرم جرى التعامل مع حالاتها الإنسانية بمنتهى الوحشية والإجرام، وغابت الإنسانية حتى هذه اللحظة، ليس في قلوب ملايين السوريين، بل في قلوب جلاديهم في أقبية التعذيب والمسالخ البشرية، جيث يُطالب المجرمون ضحاياهم بأن تكون قلوبهم رحيمة مع زوجة الطاغية، مع أن القلوب انتزعت من مكانها بيد الجلادين، والأفئدة تشظت، والأجساد صلبت وحُرقت وتفحمت!

ما لفتني في كل الخبر أنه نُشر على صفحة إحدى المجلات (العريقة) الممثلة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، عن تسرطن ثدي (السيدة الأولى)، وحجم التعليقات المتضرعة لله “أن يمدّ الله في عمرها، كي تُنجب نسلًا يحكم للأبد وطنًا لا يحب البعض يُتمه، وكي لا يجف الياسمين”!. نكتشف هنا قدرات البعض (الانبطاحية) المتملقة، التي طُورت نحو مشروع إنكاري قائم على مسح كل الضحايا والآلام التي تسبب بها طاغية السوريين، وعائلته وعصابته ومافياتهم.

فجأة، يتحول الوحش إلى إنسان. وبرفّة عين، يصبح المطلوب من الضحية التي فقدت قلبها أن تستعيده لصالح قاتلها، أن تشكره على نعمة الإبادة، والدعاء له بطول العمر، والشفاء الأبدي.

من غير المفهوم، وهي ظاهرة أسدية ندعي أنها غير مفهومة، وهي في واقع الأمر مفهومة، أن يشتد بأس النظام في مواجهة من يفترض أنه ابن الوطن من المحاصرين والمرضى والجياع والمهجرين. فمن المخزي والعار أن تستنفر كل تلك الغطرسة المسلحة بشتى أنواع الأسلحة، لترويع الشارع والمجتمع السوري، وأسره التي عاشت أقسى أنواع الحصار والتدمير، مع حفلات الموت تحت التعذيب أن تستنفر لطرد ورم في ثدي يغذي قاتلهم.

الاستغراب الذي يحق لنا أن نطرحه يتعلق بردة فعل أولئك الذين لم يحركوا ساكنًا مع حالات جوع ومرض، بفعل الحصار كانت ذروتها مئات الضحايا، من ثم آلاف الضحايا، مرضى وكبار سن فقدوا حقهم في الحصول على رعاية طبية، بفعل حصار قوات الطاغية لمناطقهم التي أعلنت معارضتها لسلطة القاتل. إنها مفارقات الاستماتة بتفرد التعاطف مع ضحية واحدة ولون واحد لمجتمع شرخه الطاغية على هوى سلطته ليكون وصيًا عليه إلى الأبد.

صحيح! أن لا تعليق، ولا رأي في المرض، كونه خارج الإرادة البشرية، لكن في حال تسرطن النظام، وهوس الاستبداد والطغيان والجريمة، فهذا أمرٌ لا يمكن السكوت عنه من قبل المتيقظين فجأة على إنسانية ستظل مفقودة مع ملايين الضحايا في سورية، أورام خبيثة تم تهيئتها في مخابر السلطة القمعية لتحقن في جسد الوطن الكبير، وتضخم الورم حتى انفجر بفعل إبر الثورة السورية، ثم يعاد من جديد تلقيح الأورام وتهجينها، بإخراج سياسي وتلفزيوني واقتصادي واجتماعي، ظنًا من (الطبيب) أن جمهور المرضى نسي تمامًا جرعات العلاج الثوري، بعيدًا عن كيمياوي النظام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق