كلمة جيرون

إلى وطنٍ لا غابة

إذًا، تريد روسيا والنظام السوري من اللاجئين والمهجّرين السوريين العودةَ إلى “حضن” الوطن، لـ “ينعموا” بالأمان والاستقرار و”رغد العيش”، وليشاركوا في إعادة إعمار سورية المدمّرة، وليريحوا الغرب ودول الجوار من عبئهم الثقيل.

تريد روسيا إقناعهم، وإقناعنا، بأن الحرب انتهت، وأن السلم عمّ في “جمهورية الأسد”، وسلطة الدولة انتشرت، و”حماة الديار” باتوا على استعداد لحماية المواطن، وما على الجميع إلا العودة إلى الوطن، ليُشاركوا في تضميد جراحه وبناء حاضره ومستقبله.

يغمض الروس أعينهم عن كل الحقائق والعوائق التي تحول دون عودة الملايين من اللاجئين المنتشرين في أرض الله الواسعة، والراغبين في العودة لترميم ما يمكن ترميمه من حياتهم، إن كان ذلك ما زال ممكنًا، ويغضون الطرف عن حقيقة أن لن يعود أحد دون زوال هذه العوائق.

أنتجت الحرب السورية التي أنهت سبع سنوات ونيّف من عمرها أكبرَ أزمة لجوء ونزوح شهدتها المنطقة، على مدى تاريخها القديم والحديث، وتسببت في تغييرات ديموغرافية وسكانية في الشرق الأوسط كله، وبنت دول الجوار سياساتها على المدى القصير، لأن أحدًا لم يتوقع أن تدوم الحرب كل هذه السنوات.

هربت كتلٌ بشرية ضخمة من السوريين من جحيم الحرب، ومن جحيم النظام الشمولي الذي أجرم في حقوقها، نظام القصف والتدمير العشوائي، ونظام البراميل والكيمياوي والأفران البشرية، وخوفًا من جحيم الموت في أقبية سجون عفنة، الداخل إليها مفقود، ومن عسف وقمع أجهزة أمنية طائفية ترى كل سوري أبيّ عدوًا لها.

هربت كتلٌ بشرية بالملايين من سورية، خوفًا من “الشبيحة” و”المعفشين” وميليشيات “كتائب البعث” و”الدفاع الوطني” و”درع الساحل”، و”صقور الصحراء”، و”الزوبعة” وغيرها، كما هربت من حواجز أمنية أذاقتها المذلة والهوان، وسلبتها ونهبتها، وخطفت أحبابها، وتحوّل القائمون عليها إلى قتلة ومجرمي حرب وقطاع طرق.

هرب ملايين السوريين من تنكيل ميليشيات طائفية رعاها النظام، سورية ولبنانية وعراقية وغيرها، ومن قطعان “لواء فاطميون” و”حزب الله” و”أبو الفضل العباس” و”جعفر الطيار” و”الصابرون” و”خدام العقيلة” و”حراس السيدة زينب” و”زينبيون” من العالقين في عام 61 للهجرة.

هرب السوريون من نظامٍ قتل معارضيه السلميين، وقصف أوابد سورية وحواضرها، ودمّر المدارس والمساجد والمشافي، واعتقل الأطباء والممرضين، وسحل حاملي الورود، ومثّل بالداعين إلى التظاهرات السلمية، كما هربوا من نظام نهب ثروات بلدهم، وأفسد حيواتهم، وطيّف المجتمع، وزرع بذور كراهية عميقة يصعب زوالها حتى خلال عقود.

لا شك أن الجميع يرغب في العودة إلى “سوريته”، والجميع يحب الحياة، ويحلم باليوم الذي يمكن فيه لملمة جراحه وأحزانه، لكن من المستبعد عودتهم دون زوال أسباب هروبهم سابقة الذكر، ولا يمكن زوال أسباب هروبهم إلا بزوال نظام ولّد هذه الأسباب.

إذًا، أسّ عودة ملايين اللاجئين السوريين هو التغيير السياسي، تغيير شامل يُنهي حقبة طغمة أمنية منفلتة، تغيير يضمن لهم حياة كريمة آمنة مستقرة، ويضمن لهم دولة قانون ومحاسبة وعدالة ومساواة وتعددية وتداولية، ويضمن لهم العيش في وطن، لا في غابة كما هو حال سورية الآن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق