سلايدرقضايا المجتمع

جيوب المواطنين الفارغة تفضح الترويج لانتعاش “اقتصاد النظام”

لم تعد كلمة (مستورة) التي يستخدمها السوريون، عندما يسألهم أحد عن أحوالهم المعيشية، كافية للتعبير عن حجم الأزمة المادية التي يعيشونها، فالبطالة والفقر وصلا إلى مستويات غير مسبوقة. ووفقًا لتصريح منسوب إلى (برنامج الأغذية العالمي) في نيسان/ أبريل 2018، فإن “ثلاثة سوريين من أصل عشرة لا يعرفون من أين سيحصلون على وجبتهم اليومية”.

حتى الموظفون لدى مؤسسات النظام الذين يحظون بأكثر الوظائف استقرارًا في (اقتصاد الحرب)، يحصلون على رواتب أقل بكثير من معدل الإنفاق على الحاجات الأساسية فقط، إذ لا مجال هنا للحديث عن الكماليات والأمور الترفيهية.

وحسب إحصائية لموقع (Numbeo) المتخصّص في الإحصاءات حول تكلفة المعيشة في دول العالم، كان دخل السوريين الشهري الأدنى عربيًا، بمبلغ يقارب 90 دولارًا، متضمنًا الضرائب التي بلغت نحو 7.8 دولارًا.

الخبير الاقتصادي الدكتور رائد وهيبة يعزو سبب تدني الأجور في سورية إلى هذا المستوى، “إلى انهيار قيمة الليرة السورية، وعدم زيادة الرواتب والأجور بما يكفي لتغطية آثار هذا الانهيار”. وأضاف في حديث إلى (جيرون): “وكذلك لعب انخفاض عروض الوظائف وانهيار الاقتصاد دورًا في تدني القيمة الحقيقية للرواتب والأجور المدفوعة من قبل أرباب العمل”.

فيما رأى مدير (مصرف حلب المركزي)، سابقًا، الدكتور محمد عيسى، أن “اتجاه النظام السوري نحو الإنفاق العسكري، على مدى السنوات السبع الماضية، لعب دورًا كبيرًا في صرف كميات كبيرة من القطع الأجنبي”. وتابع موضحًا لـ (جيرون): “ترافق ذلك أيضًا مع انخفاض أعداد المستثمرين الذين يجلبون القطع الأجنبي من خلال مشاريعهم. ومع هذه العملية المتعاكسة؛ بدأت الليرة السورية التدهور، وانخفض دخل الفرد”.

غلاء جنوني وراتب يراوح في المكان!

معظم السوريين الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام يعانون عدم كفاية دخلهم الشهري، وعجزه عن تغطية المتطلبات الأساسية للمعيشة، هذا في حال كان الشخص محظوظًا، ولديه فرصة عمل. وعلى الرغم من الزيادات الهزيلة لرواتب موظفي النظام على مدار السنوات الماضية، وادعائه أن سورية بدأت تتعافى من أزماتها الإقتصادية، فإن معظم الناس، من موظفين وغيرهم، يعيشون القلق والهم اليومي نفسه، والمتعلق بإيجاد حلول لتغطية نفقات معيشتهم، إذ بات الغلاء وجنون ارتفاع الأسعار، وانعدام فرص العمل، يفوق قدرة معظم الناس على احتماله.

“قبل الثورة، كان الراتب (يطير) من منتصف الشهر، أما الآن فإنه مع مرور الأسبوع الأول يتلاشى، ونقضي بقية الشهر نفكر في الحلول”، بهذه الكلمات عبّرت خولة الدروبي، وهي مدرّسة من مدينة حلب تتقاضى راتبًا شهريًا قدره 35000 ل.س، عن سوء أحوالها المعيشية، وعدم كفاية راتبها لتغطية نفقاتها وطفليها الصغيرين. وتابعت قائلة لـ (جيرون):”لولا المبلغ الذي يرسله لي أخي من الإمارات بين الحين والآخر؛ لكان الوضع صعبًا للغاية”.

ووفقًا لـ (صندوق الأمم المتحدة للسكان)، يبلغ متوسط تكاليف الغذاء لأسرة تتكون من 4 أو 5 أفراد، 80 ألف ليرة سورية، أي أقل من رواتب القطاع العام التي تراوح ما بين 35 و 40 ألف ليرة سورية شهريًا، والقطاع الخاص الذي يبلغ نحو 60 ألف ل.س.

ومع هذا الوضع الصعب، لا يبقى أمام الناس سوى اللجوء إلى التقنين في غذائهم وحاجاتهم الأساسية. فنسبة الإنفاق على الغذاء في الشهر الواحد تزيد على 50 بالمئة من دخل المواطن، وهو يشكّل النسبة الأكبر مقارنةً مع باقي النفقات الضرورية.

وإذا كان الموظفون ذوو الدخل الشهري الثابت عاجزين عن تأمين تكاليف معيشتهم؛ فإن حال (أبو رامز)، وهو رب أسرة مكونة من خمسة أشخاص، وعاطل عن العمل بوظيفة ثابتة منذ حوالي ثلاث سنوات، أسوأ بكثير. يتحدث أبو رامز لـ (جيرون) مصورًا حاله: “كنت أعمل سائق شاحنة لنقل البضائع إلى معمل لتصنيع الأكياس البلاستيكية في دمشق، لكن المصنع توقف منذ عام 2015، وأصبحت بلا وظيفة”. وتابع: “أحصل على القليل من المال الآن من أقربائي خارج سورية، إضافة إلى العمل بشكل متقطع في أي شيئ يُتاح لي، ونتيجة لذلك، استبدلت معظم طعامنا بمنتجات أخرى أرخص، بغض النظر عن الجودة”.

في السياق ذاته، ذكر تقرير الاحتياجات الإنسانية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2018، أن 10.5 مليون شخص في سورية  لا يملكون فرصة عمل، أو أنهم يملكون فرص عمل محدودة. ونتيجة ارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الليرة بنحو 90 بالمئة؛ باتت نفقات الأسرة على احتياجاتها تفوق الدخل الذي تحصل عليه، وهو ما اضطرها إلى الاعتماد على الحوالات المالية الخارجية أو المعونات الإغاثية.

يرى الدكتور محمد عيسى أن “ممارسات النظام على مدار السنوات الماضية، وتركيزه على الإنفاق العسكري فقط، أدى إلى تدمير الاقتصاد السوري، وتحويل حياة المواطنين إلى نضال يومي لتأمين لقمة عيشهم”، وختم بالقول: “المسألة ليست زيادة رواتب فحسب، إنما هي مسألة تتعلق باقتصاد لن ينتعش إلا إذا تحقق الاستقرار، في جميع مناطق سورية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق