أدب وفنون

حوار في المنطقة الرمادية

“كنت أقلّب قنوات التلفاز بحثًا عن شيء أقتل به الوقت، عن شيء ما ينتزعني من وحدتي في هذه الزنزانة، وقد كدت أُصاب بالصداع من صوت قارئ القرآن الذي يمدّ بنشوزٍ، في قناة القرآن الكريم التي أمامي، تلك المحطة التي أقضي عليها معظم وقتي، أراجع حفظي، وأواسي بها تاريخًا متخمًا، لعل الله يكتب لي في كل حرفٍ حسنة”.

بهذا المشهد، يبدأ أنور السباعي روايته (الأعراف)، الصادرة عن دار كتابنا للنشر، بيروت، 2017. زنزانة تحتوي جهاز تلفاز! لا بد أنها حبلى بالأسرار.

يفاجئنا الكاتب، بعد أسطر قليلة من الرواية، بأن السجين هو أحد أئمة الجوامع السورية الثائرة، يستضيف في زنزانته المتخمة بالرفاهية؛ شابًا يدعى غياث، يحمل في رأسه تناقضات الكون كافةً. متدينٌ سابق ومرتد عن الدين إلى الإلحاد. يخلو الشيخ والملحد في حوار يستمر إلى نهاية الرواية، في خطين متوازيين لا يخضعان لقواعد الهندسة والإقليدية، إذ يلتقيان في نقطة واحدة هي الإنسانية، بعيدًا عن التابوهات الأيديولوجية، الدينية والعلمانية، وعلى الرغم من أنهما قطبان متنافران فإنهما يتحاوران بطريقة عقلانية بعيدةً من التعصب والانحياز.

انفتاح الكاتب على التأويل الدلالي؛ يضع القارئة والقارئ في تصادم مع مجتمع قائم على العنف والتعصب، يستقي ثقافته الدينية من فقهاء الظلام، وفتاوى تحدد سلوكه اليومي، وقبلة يطبعها الأفراد فوق يد الفقيه، كافيةً أن تُكفّر عمّا اقترفت أيديهم من ذنوب بحق الإنسانية.

أنور السباعي الحاصل على الشهادة الجامعية من كلية الشريعة في إحدى البلدان العربية، شغلته أسئلة الوجود الإنساني، فطرحها على قرائه من خلال إشكالية سؤالها المضمر؛ هو السؤال عن مصير البشرية ومعاناتها، هل تعيش المجتمعات المتخلفة، المرتبطة بموروثها الديني والاجتماعي حالة رمادية كالأعراف، الأرض المرتفعة الفاصلة بين الجنة والنار، أو السور الفاصل بينهما؟ هل تكون مصاير المجاهدين (الشباب) محتومة ومحكومة بحلم أبدي، أي الجنة المليئة بالحور العين والخمر والعسل، أم أن بيئتهم الموبوءة بالقمع السياسيّ والفكريّ، والكبت الاجتماعي والتحريم الديني، اضطرتهم إلى أن يهوِّموا خارج الواقع المعيش؟

لم يستعر الكاتب لروايته بيئة اجتماعية بعينها، لتكون نموذجًا اجتماعيًا يبحث فيه سلوك الأفراد والجماعات، إنما اختار مكانًا منعزلًا قد لا يوجد فيه إلا شخص واحد، يعبّر من خلال تفكيره عن شريحة واسعة من أفراد المجتمع، الزنزانة التي قطنها أحرار سورية، وهم يحلمون بالحرية لجميع أفراد المجتمع السوري، تلك الزنزانة لم تكن إلا ساحة معركة فكرية جديدة من نوعها، إذا صح التعبير.

معاناة الشعب السوري، وصراعه بين الدين والفكر، بين “الخلافة الإسلامية” و”سوريا الديمقراطية”، بين أنصار (داعش) والجهاديين، جميعها كانت في زنزانة تُمثل الأرض السورية التي ضاقت على مواطنيها ومواطناتها، على اختلاف مشاربهم ومحمولاتهم السياسية والدينية.

بسؤاله الأول الذي يطرحه غياث، الشاعر الثائر المرتد عن الدين، المتمرد على الواقع ونظامه الاجتماعي، التّواق إلى الحرية، غياث الذي يرى الثنائيات المتناقضة والمجتمعة معًا في صيرورة الحياة، السياسي المحنك، الملحد المثالي، الذي لا تقل مثاليته عن مثالية المؤمن، جمعتهما عوامل مشتركة في المعاناة الإنسانية التي طالت جميع أفراد الشعب السوري. يبدأ الحوار بينهما وهما يتناولان الشراب، الكثير من الويسكي والقليل من العرق، في زنزانة أشبه ما تكون بفندق متواضع من فنادق ساحة المرجة، فتبدأ العاصفة وتنهال الأفكار:

“كل إنسان له جانب قبيح لا يجعله مؤهلًّا للجنة، ولديه -أيضًا- جانب جميل لا يجعله مستحقًا للنار”.

يجيب الإمام البلقيني، “بنزعة صوفية” لا تتناسب مع تاريخه المشوب بالموبقات بحق الإنسانية: “النار قد تكون جنة بمعنى من المعاني، في وقت من الأوقات يكون العذاب في رضى الله أمتع من أمتع ملذات الدنيا”.

الإمام البلقيني، الشيخ السلفي، هو السجين الأول، المدلل لدى الحراس وأجهزة الأمن، القائم بأعمال السلطة الأمنية في المسجد مضطرًا بعد اكتشافهم شخصيتَه الحقيقية: تاجر المخدرات السابق، الملاحق من قبل الأجهزة. البلقيني يعاقر الخمر على مذهب أبي حنيفة، ويرتكب ما يحلو له من موبقات، ويبررها بآياتٍ من الذكر الحكيم، أو بأحاديث شريفة، لكن توقه للحرية وخلاص الشعب السوري من القمع السياسي، لا يقل عن توق غياث إليهما، لكن لكلٍ طريقته، إيمانه، عقيدته. فغياث كان يريد إيقاظ الإنسان السوري من سباته الدوغماطيقي؛ ليرى النور في الفكر والتطور الحركي الذي يعيشه العالم، والانفلات من وهم امتلاك الحقيقة، إلى الحرية وامتلاك تقرير المصير، فكانت حجج غياث تُدين المطلق وتؤيد النسبي “بما هو نسبي”، أي تغير الحقيقة بتغير الزمان والمكان، على عكس المطلق الذي يتسم بالثبات والديمومة، كالنصوص الدينية والمواريث التقليدية التي تعتبرها المجتمعات المتخلفة مواريث ثابتة، غير قابلة للتجديد أو البناء، وهي التي كانت المستند الدائم لدى البلقيني في نقاشه مع غياث.

البحث عن الذات والعودة إليها بطريقتين مختلفتين وسط المعمعة السورية، هو الهدف الثاني للرواية، بعد تسييس الدين وبسط نفوذ السلطة عليه، فتوبة إسحاق “الإمام البلقيني”، هي عودة إلى الذات المنسية، بطريقة تناسبت مع تلك الذات وانسجمت معها، وارتداد غياث عن الدين، أيضًا عودة إلى الذات بطريقته الخاصة، وكلا الطرفين يعتبر عودته مهمة أخلاقية تجاه المجتمع السوري. كسر الإمام البلقيني مرآته، ليبرأ من وجهه القديم، فلم يعد له من سبيل إلى رؤية نفسه سوى الآخر المختلف.

حسب التحصيل العلمي للكاتب، لا بد أنه قد ألمّ بما كتبه الإمام سراج الدين البلقيني، وفسره وأوله جيدًا، مع العلم أن للإمام البلقيني عشرات المجلدات بأجزاء عديدة، وعرف جيدًا أنه يسير على المذهب الحنفي الذي يتجاوز المذهب الحنبلي الذي يتبعه الأصوليون في ممارسات عديدة.

الأعراف “برزخ بين جنتين”، تطرح في كل مقطع عشرات الأسئلة، لا ينتهي منها القارئ والقارئة إلا يشعر وتشعر بالدوار. تعاطفت مع البلقيني إلى حد الاختناق، وبكيت لموته إلى حد النهنهة، تأثرت بموقفه الإنساني. تبرعه بأعضاء ابنته المصابة بقذيفة، لابنة غياث الذي لم يكن يعرفه، كفّر عن كل الشرور التي اقترفها، ربما أراد الكاتب أن يحسّن من موقفه تجاه الدين قليلًا.

يبقى السؤال قائمًا: هل من أعراف تفصل بين الدين والسياسة في قادمات الأيام!

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق