مقالات الرأي

إيران والمستقبل القلق لنظام الأسد

قالها مرشد إيران، علي خامنئي، باختصار، للإيرانيين، “لاحرب ولا تفاوض مع الولايات المتحدة”. وبذلك أجاب على تساؤلات المراقبين والمتخصصين حول السياسة التي ستعتمدها إيران في مواجهة الضغوط الأميركية المتفاقمة عليها. إنها إيران التي نعرفها منذ عقود، تتبنى من جديد، سياستها المعتادة، التي يمكن إسقاط تعبير “الصبر الاستراتيجي” عليها.

على الرغم من أن التعبير المشار إليه ابتدعه الأميركيون، واستخدموه كتوصيف لسياساتهم تجاه دول وقضايا عديدة حول العالم، منها إيران نفسها، فإن هذا التعبير شاع استخدامه في عالم السياسة، حتى من جانب بعض المتخصصين، لتوصيف سياسة الرهان على الزمن، مع الثبات على المواقف والأهداف الرئيسة، وعدم الإخلال بها.

وهل هنالك أفضل من تعبير “الصبر الاستراتيجي” لوصف حالة اللا حرب واللا سلم، التي سادت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة طوال 35 عامًا، قبل الاتفاق النووي عام 2015؟ عقوبات من الغرب، وصراعات في ساحات بديلة، وعبر وكلاء، وتهديدات متكررة بصراع عسكري مباشر، لا تجد طريقها للتنفيذ الفعلي، أبدًا.

باختصار، خامنئي قرر إعادة عدّاد الزمن في سياسات بلاده، إلى ما قبل العام 2015. وهنا السؤال الذي يهم السوريين: ما موقع سورية من هذه السياسة؟ هل ستكون سورية محيّدة؟ أم أنها ستتحول إلى صندوق رسائل للأميركيين، بحكم النفوذ الإيراني المتغلغل فيها؟

للإجابة عن هذا السؤال، قد يكون نموذج العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في العراق، بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، مفيدًا للمقارنة. من ذلك التاريخ حتى العام 2011، كانت الولايات المتحدة تكثّف الضغوط الاقتصادية على الإيرانيين، مؤيَّدةً بقرارات دولية تجعل العالم بأكمله شريكًا فيها، بذريعة البرنامج النووي الإيراني. فيما كانت تنسج تفاهمات على الأرض العراقية مع الإيرانيين.

كان الأميركيون مضطرين إلى تلك التفاهمات، فمع إسقاط نظام صدام حسين، تقدمت القوى الشيعية، التي استثمرت فيها إيران مطولًا، إلى الواجهة. ولم تكن لدى الأميركيين خيارات كثيرة. أما الإيرانيون، فكانت تفاهماتهم غير المباشرة مع الأميركيين، على الأرض العراقية، واحدةً من أبرز ضماناتهم في مواجهة تفاقم الضغط الأميركي عليهم. فالوجود الأميركي في العراق كان في مرمى حجر الإيرانيين، إن صح التعبير. وببساطة، تعامل الأميركيون والإيرانيون بمنطق السلال المنفصلة. فسلة البرنامج النووي الإيراني كانت موضوعًا منفصلًا في التفاوض والصراع بين البلدين، عن سلة النفوذ الإيراني في العراق. باختصار: كان الأميركيون والإيرانيون متصارعين في ملف البرنامج النووي، ومتعاونين في العراق. ولم تستخدم إيران نفوذها في العراق ضد الأميركيين إلا للتلويح بقدراتها فقط. كانت العلاقة تعاونية ومثمرة للطرفين. واليوم، نجد أن التركيبة الحاكمة في العراق هي نتاج شراكة أميركية – إيرانية، وإن كان النفوذ الإيراني يغلب فيها على نظيره الأميركي. لكن يمكن أن نقول إن إيران حوّلت نفوذها في العراق إلى ضمانة كي لا يتحول الاستهداف الأميركي لها إلى المنحى العسكري المباشر؛ لأن ذلك كان يعني استهداف الوجود العسكري الأميركي في العراق، في ذلك الوقت. وكانت حصيلة ذلك أن أميركا أقرّت بالنفوذ الإيراني في العراق.

تختلف سورية عن النموذج العراقي، بطبيعة الحال. فالساحة في سورية أكثر تعقيدًا، وأقل قيمة للأميركيين، إلا من جانب واحدٍ فقط، هو ما يتعلق بـ “أمن إسرائيل”. وقد نجح الروس في إيجاد تسوية مؤقتة تُبعد أي خطر إيراني مباشر عن الحدود الإسرائيلية في الجنوب السوري. لكن الخطر الإيراني بعيد المدى ما يزال ماثلًا للإسرائيليين في سورية. فهم لا يريدون تكرار تجربة “حزب الله” في سورية، أو تحويل الأخيرة إلى منصة للصواريخ الإيرانية متوسطة المدى. حاليًا، التعاون الاستخباراتي العسكري، الروسي – الإسرائيلي، يسمح بضمان عدم تطور هذا الخطر، عبر غض الطرف عن استهداف الطيران الإسرائيلي لأي نشاط إيراني تعتبره تل أبيب خطرًا عليها في الأراضي السورية. لكن استمرار هذه الوضعية يعني، ببساطة، أن “إسرائيل” لن ترتاح من هاجس الخطر الإيراني، وسيبقى ماثلًا أمامها، وعليها التصدي له، بشكل دوري. وعليها أن تستنفر كل قدراتها الاستخباراتية، وأن تراهن على الشريك الروسي، وعلى اختراقاتها داخل أجهزة النظام، لإبقاء الخطر الإيراني تحت السقف الذي يمكن أن يهدد أمنها.

أما من جانب الإيرانيين، فالظاهر للعيان أنهم قبلوا بعدم تحويل سورية ساحةً لتهديد “إسرائيل”، وذلك بضغط روسي. لكن، هل هذا القبول مؤقت أم استراتيجي؟ هل قررت إيران بالفعل تحييد سورية عن أن تكون صندوق رسائل، وساحة للحرب بالوكالة مع الأميركيين والإسرائيليين؟ هل سيقبل الإيرانيون تحويل استثمارهم الميداني في سورية إلى استثمار سياسي – اقتصادي، في تركيبة الحكم بالبلاد؟ أم أنهم سيُصرّون على العمل في الخفاء على تطوير أدوات ووسائل لتهديد الأمن الإسرائيلي، بصورة تسمح لهم باستثمار ذلك استراتيجيًا في المواجهة طويلة الأمد مع الأميركيين؟

إن راجعنا ما حدث على صعيد العلاقة بين الأربعة: (إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا وإيران)، في سورية، خلال الأشهر القليلة الماضية؛ فسيظهر جليًا أن إيران تعرضت لضغوط شديدة من الأطراف الثلاثة، ضغط عسكري من “إسرائيل”، وسياسي من روسيا، وسياسي – اقتصادي من الولايات المتحدة. وكانت الحصيلة أن إيران انكفأت مؤقتًا عن الجنوب السوري. أي أنها وافقت على إزالة الخطر المباشر عن “إسرائيل”. لكنها في الوقت نفسه ما تزال تملك أدوات داخل مؤسسات الدولة السورية، العسكرية والأمنية، تسمح لها بتطوير الخطر غير المباشر الذي ما تزال تشكله على “إسرائيل” في سورية. وهنا يتضح جانب الرهان على الزمن، فإيران ستصبر على الضغوط الاقتصادية المتفاقمة عليها، وتراهن على الزمن، في تطوير قدراتها داخل سورية، إلى أن تصل إلى العتبة المطلوبة لتشكيل خطر مباشر، وجدّي، على الأمن الإسرائيلي. وهو ما لا تغفل عنه “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية. لذلك سيبقى النفوذ الإيراني في سورية عقبة، أمام تفاهمات كاملة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وبين موسكو من جهة أخرى. فالأخيرة أعلنت عجزها العلني عن إخراج إيران من سورية. وبالتالي، فعلى الجميع التأقلم مع هذا النفوذ، والعمل بشكل دوري على خفض سقفه، بما يضمن “أمن إسرائيل”. فيما ستعمل إيران بشكل حثيث، على الوصول إلى العتبة المطلوبة لتهديد الأمن الإسرائيلي، عبر سورية، وتحويل ذلك إلى ورقة رابحة يمكن للإيرانيين التلويح بها في وجوه الأميركيين.

بكلمات أخرى: ستستمر حالة الصراع على النفوذ بين الإيرانيين والروس، والضغوط الأميركية والإسرائيلية على الروس، للحد من تطور النفوذ الإيراني داخل سورية. الأمر الذي سيُبقى سورية مؤهلة، بامتياز، لأن تكون صندوق رسائل بين اللاعبين الأربعة، وفي مقدمتهم إيران؛ ما يعني استبعاد الاستقرار الكامل للوضع في سورية، في المستقبل القريب. وأن نظام الأسد، وربما سلامة بشار الأسد الشخصية، ستبقى في مرمى نيران الصراع الإيراني – الروسي؛ إذ من الممكن، في أي لحظة، أن تنحرف حالة الضبط لهذا الصراع نحو منحًى يهدد هذا النظام بذاته، بحكم الصراع بين الأجنحة الروسية والإيرانية داخل أروقته. هذا هو السيناريو المرجح لسورية في الأشهر والسنوات القليلة المقبلة. إلا إذا نجحت روسيا في إقناع إيران بتحويل استثمارها الميداني إلى استثمار سياسي – اقتصادي، بموجب صفقة إقليمية – دولية لإعادة إعمار سورية، وتأهيل نظامها ليكون مقبولًا من جديد في الساحة الدولية. والتصور الأخير تعمل عليه روسيا الآن على نحو حثيث. ويبقى السؤال حاضرًا: إذا نجحت روسيا في تحقيق هذا التصور، رغم العقبات الكثيرة التي تقف في طريقها؛ فهل ستقبل إيران، حينئذ، تحييدَ سورية عن صراعها مع الأميركيين الذين يثقلون عليها بالعقوبات؟ حصل ذلك سابقًا في العراق، لكن تكراره في الساحة السورية ما يزال موضع تساؤل.

ستبقى الإجابة عن هذا التساؤل هي المحدد لاحتمالية الاستقرار في سورية، في المدى القريب والمتوسط. فإيران ستبقى صاحبة كلمة رئيسة في تحويل سورية إلى ساحة للتعاون الإقليمي الدولي، أو إلى ساحة حرب بالوكالة، ولتبادل الرسائل بين اللاعبين. وسيبقى مستقبل الشخصيات الفاعلة داخل نظام الأسد، وفي مقدمتهم بشار الأسد شخصيًا، مستقبلًا قلقًا، وغير مستقر، تتوقف تطوراته، بصورة رئيسية، على ما ستنتهجه إيران من استراتيجيات على الساحة السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لم يظهر في تحليلك أي ذكر لعامل الثورة السورية على وضع الإيرانيين و الروس وهي أساس التدخل المباشر لهما صحيح أنها إنحسرت داخليا و لا تكاد تؤثر إقليميا لغلبة السياسات و المواقف الإقليمية على تطلعاتها و حسن توظيف البعض لورقة الجماعات المسلحة و جر الثورة إلى إتخاذ موقف منها على حساب أهدافها .لا تزال هناك فرصة و لو أنها تتضاءل(بحكم تطور الأمور في تركيا و إيران و إطمئنان
    إسرائيل على حدودها )لكي تعود الثورة السورية من جديد إلى التأثير داخليا و هو منوط بقدرتها على إعادة ترتيب نفسها بإبراز قيادة
    و هيكل عسكري فاعل جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق