هموم ثقافية

الفن المثقوب  

قد يبدو “ارتكاب” الفن في زمن الكارثة فعلًا هامشيًا، لا قيمة له أمام المأساة، يهجره الكثيرون ليلتحقوا بالفعل الأكثر فاعلية (كالإغاثة بأنواعها، أو النشاط الإعلامي)، فالفنانات والفنانون أنفسهم يغزوهم الشك -غالبًا- في جدوى مهنتهم. ومع ذلك نجد أن الفن السوري بأنواعه المختلفة قد لاقى رواجًا غير مسبوق، في هذا الزمن الصعب، وبخاصة في أوروبا والدول المضيفة للاجئين السوريين (مع تحفظي على كلمة مضيفة، نظرًا لما يقاسيه اللاجئون واللاجئات في هذه الدول)؛ ما حوّل الفن إلى حرفة، عرض وطلب، دعاية، لا إلى وسيلة تعبير إبداعية.

الفن -في جانب منه- حرفة ككل الحرف طبعًا، ينتجه إنسان، ويستخدم لذلك جسده وفكره وأدوات مساعدة (بما فيها الجسد، كأداة للتمثيل أو الرقص مثلًا)، وهو بحاجة إلى مكان وزمان يؤدي فيهما عمله، وإلى مهارات وخبرات معينة لتنفيذ هذا العمل.
إن نحت قوالب الأحذية ودهن جدار ونحت تمثال ورسم لوحة، كلها أنشطة إنسانية، لكن الإسكافي لا يستطيع صناعة حذاء لا مدخل للقدم فيه، وإلا أصبح فنانًا، أما النحاتة أو الرسام فيستطيعان نحت أو رسم حذاء مسمط.

حين يغيّر الإسكافي وظيفة الحذاء لتصبح وظيفة رمزية، يصبح فنانًا، وغالبًا ما لا يغيّر الحِرَفيون والحرفيات وظيفة منتجاتهم لتتحول من وظيفتها “المادية/ الاستهلاكية” إلى وظيفة رمزية “الرمز/ الخيال”، لا لأنهم بلا خيال، بل لأنهم يمارسون مهنة لها قواعدها وشروطها، التي إن لم يحققوها فلن ينجحوا في مهنتهم. والرمزية ليست شرطًا من شروط المهنة، بل الجودة والمتانة مثلًا، ولكن الرمز/ الخيال شرط من شروط الفن، إن لم يكن هو الفن بحد ذاته. والذي يدعو الفنانة أو الفنان إلى خلق الرمز/ الخيال، هو حاجة ذاتية إلى التعبير بالدرجة الأولى، وليس سوق العرض والطلب.

كذلك، فإن الحِرفي والموظف يصنعان أداوت ومعاملات للاستخدام اليومي، لها وظيفة محددة، ومصنوعة لهدف معين، فيما يقوم الفنان بتحويل وظيفة هذه الأدوات وهدفها، وهذا مَعلَم آخر يفرّق بين الفن وما ليس فنًا، فالحرفيون والموظفون يصنعون الواقع، أما الفنان فيعيد إنتاج الواقع، فيعطي ما أنتجه الحرفي أو الموظف معنًى جديدًا، صناعة الحذاء تفتقد الهدف المغاير، فالهدف يبقى أن نرتدي الحذاء، لا أن يصبح للحذاء معنًى آخر، أي يبقى للحذاء وظيفة استهلاكية مادية، أما حاجة الفنان إلى التعبير (وقد يكون إسكافيًا أو مدرّسًا أو حتى ضابطًا)، فقد تدفعه لاستخدام الحذاء كزورق أو قطرة مطر، مخالفًا بذلك الهدف الأساس الذي يصنع الحذاء لأجله.

الحذاء يصنع دون أن يحمل رسالة سوى وظيفته، وهو يحتاج إلى متلقٍ (زبون) في الوقت نفسه، على عكس الفن، الذي يحمل رسالة مخالفة لهدف صناعته، لأنه عمل مقصود بذاته، إنه تعبير عن شيء ما، رسالة ضمنية (وليست رسالة خالدة)، فهدف اللوحة ليس اللوحة ذاتها، ليس وجود قطعة “الكانفاس” عليها خطوط وألوان، بل ما تحمله قطعة القماش والخطوط والألوان من رموز وتعبير يحاول المنتِج إخراجه من ذاته للتعبير عنها، بالتالي هو يحتاج إلى متلقٍ/ شريك، لا إلى متلقٍ/ زبون، أما الحذاء فهو منتج استهلاكي بحت، مهما تغير شكله، وغالبًا ما يكون تغيير الشكل هو إمعان في استهلاكيته، أي لجذب مزيد من المبيعات، وليس للتعبير عن شيء ما، بالتالي فهو يحتاج إلى مرسِل (منتِج)، وإلى متلقٍ (زبون)، فيما الرسالة هي الحذاء ذاته.

يصبح الفن هامشيًا ولا قيمة له أمام الموت، حين يتحول إلى حرفة، ولكنه يصبح وقوفًا فعليًا في وجه الموت، أو في وجه أسباب الموت على الأقل، حين يحافظ على عناصره. قد يبدو هذا تقليلًا من شأن الحرفة، وكأن الحرفة أقل قيمة من الفن، لا… الحرفة أيضًا، حين تتحول إلى فن، تصبح حرفة فارغة، لأنها تصبح فنًا. إنهما مجالان لا يخضعان للمقارنة في أهميتهما، كلاهما بنفس الأهمية، ولهما قيمتهما، وخاصة في زمن الكارثة، الفنان الجيد هو من يعتني بعناصر الفن، والحرفي الجيد هو من يعتني بعناصر الحرفة، وكما يسوءنا أن نشتري حذاءً مثقوبًا، كذلك يسوءنا أن نتلقى فنًا مثقوبًا.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. تنبيه: vigrx
  2. تنبيه: Bk8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق