كلمة جيرون

الدور الغائب

خلال سبع سنوات، اعتقل النظام السوري مئات المثقفين والفنانين والمبدعين، وقتل العشرات، واتهمهم بـ “الإرهاب والعمالة”، لأنهم اتهموه بـ “الإجرام والاستبداد والفساد واغتيال أحلام السوريين وأرواحهم”، وتبدّت خلال هذه السنوات الإشكالية الأزلية بين المثقف والسلطة في أوضح تجلياتها.

ليست هناك بدايات واضحة لاعتداء النظام السوري على الثقافة والفن والأدب وأصحابه، حتى إن السوريين أنفسهم نسوا من كان أول مثقف أُهين أو اعتُقل أو قُتل، ربما بسبب كثرة من تعرض للترهيب منهم، خلال العقود الخمسة الأخيرة.

تبعثر المثقفون والفنانون السوريون في أصقاع الأرض، وانقسموا إلى قسمين: قسم معارض، حاول أن يصنع حالة ثورية وفشل، حزن على الحاضر وبشّر بمستقبل أفضل لم يأت، وتحدّثوا عن الثورة والحياة والحب والمستقبل، لكنهم لم يتركوا بصمة ذات أثر، وحاولت المعارضة اجتذاب الأسماء المهمة منهم، دون أن تستطيع الاستفادة منهم عمليًا، وبعد أن استوفت المطلوب منهم إعلاميًا، تناستهم فوقعوا ضحية التهميش.

جماعة القسم الآخر قرروا الاصطفاف إلى جانب النظام وخدمته، فسوّقوا للقتل والدمار وتغنّوا به، وأسكرهم لون الدم، فنزعوا قبعة الفن وارتدوا الحذاء العسكري، وحرّضوا على المزيد من القتل؛ فاستغلهم النظام شر استغلال، واستفاد منهم سياسيًا، وصاروا جزءًا من آلته القمعية، ومُسوّقًا ماهرًا لإجرامه، حتى حين أرادوا أن يُبدعوا، أبدعوا تحت الأرض في ظلمة الأنفاق.

الانحياز إلى الحرية والشعب هو معيار الإبداع، وتبرير أي مثقف أو فنان للعنف والقتل هو عمل لا أخلاقي، وعدم إدراك المعارضة السورية لدور الثقافة والفن، كسلاح أساس في الثورة ورديف ثوري لها، كان خطأً كبيرًا يُضاف إلى الأخطاء الهائلة التي ارتكبتها، واستخدام النظام للمثقفين والفنانين أبشع استخدام، في التسويق لحربه، هو جريمة تُضاف إلى جرائمه الهائلة التي ارتكبها.

لم يكن السوريون قط تكفيريين متطرفين، كما حاول النظام السوري أن يوحي لحاضنته وللعالم، وليس السوريون لاجئين ومقاتلين فقط، كما يعتقد جُلّ الغرب، وليسوا هواة قتل وتدمير، كما فعل وحوش النظام وغيرهم، بل فيهم تشكيلة بهيجة من الأكاديميين والعمال والمهرة والبسطاء، تشكيلة جميلة من الحياة والحلم والحب، وتشكيلة بهيجة من المبدعين والمثقفين والفنانين والأدباء، هشّم النظام أقلامهم وريشاتهم وموسيقاهم وأغانيهم، في محاولته إلغاء النزوع الإنساني في روحهم تجاه الحرية.

المثقف/ الفنان هو الطليعي حامل الشعلة التي تكشف المسار للجماهير، وهو قلب العملية التنويرية، وهو من يُشارك إيجابيًا في حركة التاريخ التي ترسم ملامح مستقبل الشعب المسكين، بعيدًا عن عنف معركة النظام ودمويتها، وبعيدًا عن نظام التدمير الشامل القائم حاليًا، وبعيدًا عن أنفاقه و”مكرماته” وجوائزه، التي ستكون أوسمة عار لا أوسمة فخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق