تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

فَشَلْ إدخال الإرهاب إلى السويداء حتى من باب (داعش)

حاول إلصاق التهمة بـ (رجال الكرامة) واغتال الشيخ البلعوس عام 2015

كان لكتاب حنّة أرندت (في العنف) الأثر الكبير في إلقاء الضوء على ظاهرة العنف والعنف السياسي، الذي نادرًا ما كان موضع تحليل، أو دراسة خاصة، مع أنه ذو دور كبير في الحياة السياسية والاجتماعية لتاريخ البشر.

فالعنف المرتبط بالأيديولوجيات الشمولية الاستبدادية (التوتاليتارية)، من حيث الجذر، يكمن في أدوات (الحرب المولدة لأقسى درجات العنف الذي تطورت أدواته تقنيًا إلى درجةٍ لم يعد من الممكن معها القول بأن ثمة غاية سياسية تتناسب مع قدرتها التدميرية)، على حد تعبير الكاتبة. والعنف الضاري الممارس في سورية، منذ سبعة أعوام ونصف حتى اليوم، لم يعد له مبرر سياسي لتحقيق مصلحة سياسية فقط، بل أصبح أداة من أدوات تغليب وترسيخ الطابع الهمجي، وما قبل الحضاري، على شكل المرحلة الحالية ومستقبلها السياسي، وفرض سياسة الرضوخ أو التهجير والقتل الجماعي! فبين الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، كقوة تطرف فائقة العنف متنقلة في كامل سورية من جهة، والغطرسة العسكرية الروسية من جهة أخرى؛ فُرض على كل السوريين مسارٌ دموي كارثي، بلغ ذروته في التهجير المنهجي والقتل الجماعي العمد، سواء في المعتقلات، أو لمدنيي مدن الحصار.

هذا العنف لم يتوقف حتى اليوم، وانتقلت رحاه إلى محافظة السويداء، تلك المحافظة التي اعتبرت آمنة وحيادية، ونموذجًا للتعايش السلمي في كل سورية. وبعد أكثر من أسبوعين على المجزرة التي ارتكبها (داعش) في حق المدنيين الآمنين في قرى السويداء الشرقية، وراح ضحيتها ما يفوق 250 شهيدًا من أبناء المحافظة، وما يزيد على 30 من النساء المخطوفات مع أطفالهم، لتأتي بعده طريقة قتل الشاب مهند أبو عمار، بشكل همجي، بعد فشل التفاوض، كما صرح (داعش)؛ وبالضرورة بات السؤال البديهي عن غاية التنظيم من عملية الهجوم على السويداء بهذا الشكل المفرط في العنف سؤالًا ثانويًا، أمام سؤال المستفيد من الحرب التي أعلنت على التنظيم في بادية السويداء، بعد أن تم نقلهم من الحجر الأسود وحوض اليرموك إليها؟ كانوا في قبضة الجيش الروسي، وحليفه جيش النظام، فلماذا يتم نقلهم إلى منطقة مفتوحة كبادية السويداء، ومن ثم تُجهز لهم حرب مفتوحة أظنها، ستكون (طبخة حصى) لن تنضج أبدًا، إلا إذا أراد صانع الحدث ذلك! ليصبح بعدها السؤال عن ماهية (داعش)، وما تمثله في حياة السوريين، منذ ظهورها أواخر العام 2013 حتى اليوم، وهو سؤال القرن، وسؤال من سيربح المليون!

المفاوضات التي قال شيخ العقل يوسف جربوع: إن روسيا هي التي تقودها بالتشارك مع النظام، بغرض تحرير المختطفين ومبادلة الأسرى من (داعش) لدى النظام، وعدم قصف مواقع (داعش) في حوض اليرموك، تحققت من جانب (داعش)؛ فقد توقف القصف على (داعش) في حوض اليرموك، لا بل تم نقل المتبقين منهم إلى بادية السويداء أيضًا باتفاق سرّي، حسب ما أفادت صحيفة (الأخبار) اللبنانية المقربة من (حزب الله). ولربما نستطيع تجاوز تلك السهولة التي يقوم فيها تنظيم مسلح من قبل جيش النظام نفسه، يتبع للحزب السوري القومي الاجتماعي، بإعدام أحد أفراد التنظيم في ساحة السويداء، الذي سرب أنه كان أسيرًا لدى (الجهات المختصة)؟ ومع هذا تستمر روسيا وجيش النظام بالدعوة إلى محاربة التنظيم في بادية السويداء، بالمشاركة مع فصائل عدة، منها تلك التي أجرت مصالحات معه في الآونة الأخيرة، ومنها الميليشيات التي سلحها النظام نفسه في المنطقة، مع تغييب شبه كلي للحالة الأهلية للمحافظة، التي لولا ردة فعلها الفطرية، من حيث (النخوة)؛ لتجاوزت حصيلة مجزرة التنظيم في المحافظة العدد الكبير الذي خلفه في المجزرة المذكورة، أمام غياب كلي وقتها لروسيا وجيش النظام!

روسيا التي تريد أن تثبت حضورها العالمي، بعد قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين، لا يمكنها الدخول إلى منطقة السويداء عسكريًا من دون ذريعة الإرهاب، خاصة أن المنطقة معروفة بأكثريتها (الأقلوية الدرزية) ذات الطبيعة المدنية الأقرب للعلمانية منها للتدين. وأيضًا فشلت في إحراج الواقع المحلي بتصنيف رجال الكرامة بالإرهابيين، كونهم من حملة السلاح، وهي تعلم تمام العلم أنهم لم يتورطوا في دم سوري قط، ولم يعتدوا على الجيش أيضًا، بقدر ما كانوا يدّعون الدفاع عن الأرض والعرض فقط، ومع هذا تعرضوا لتفجيرين مدبرين، قبيل ما يزيد على عامين، ذهبا بقائدهم المرحوم الشيخ أبو فهد، وحيد البلعوس، ورفاقه المقربين، مع كثير من المدنيين، وقتئذ. وبذلك تصبح الحرب على (داعش)، كما هي كل الأسئلة المطروحة أعلاه، نموذجًا تطبيقيًا لمحاربة الإرهاب وحماية الأقليات، في منطقة كالسويداء، وناجحًا إعلاميًا على المستوى الدولي، لكنه فاقد كامل مصداقيته على صعيد الواقع المحلي، ومجريات الأحداث بتفاصيلها.

لا عنف بلا غرض سياسي، وعند تجاوز حدوده المعلنة تصبح الغاية منه فوق سياسية. وبمعنى آخر: هو تكريس للأمر الواقع، وتأجيج للعنف، وادعاء لفشل التفاوض غايته جرّ أبناء المحافظة إلى طلب الحماية من روسيا ذاتيًا، وهو ما يعني تمامًا تحقيق أغراضها بنزع سلاح (رجال الكرامة)، والتحاق المتخلفين عن الجيش البالغ عددهم نحو 50 ألفًا؛ عندئذ فقط يمكن للحرب على التنظيم أن تأخذ طريقًا أخرى، وأن تنضج معها (حلَّة الحصى)، وتصبح كامل المنطقة الجنوبية في حوزة الروس، ويصبح للغة العنف في عالم السياسة المتغول اليوم صفة (حضارية) مغلفة بإعلام مفبرك ومُزيّن بكل ما تحبذ النفس البشرية سماعه من وأد للإرهاب، الذي يخفي خلفه الغايات الرديئة لتغول القوة العسكرية في سورية عامة، والسويداء خاصة، سواء أكان (تنظيم الدولة الإسلامية) صناعة استخباراتية متعددة الأطراف، أم كان تنظيمًا إرهابيًا بذاته، لتبقى السويداء اليوم، بأهلها وشبابها ووجودها العام والوطني، وتمسكها بأرضها، سؤالًا على موائد السياسة والعنف، و(بضاعة) في بازار الدم، وفوق حد السكين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق