مقالات الرأي

هويتنا الوطنية ضحية سياسات التجهيل المبرمج

السوريون اليوم، وهم يتطلعون بأمل ورجاء إلى أن يشهد المستقبل القريب بداية طريق الخلاص من المِحنة التي ما برحت تعصف بكيانهم الوطني ووجودهم الاجتماعي منذ سبع سنوات، إنما يسترجعون ويُقيّمون في الآن نفسه واقع العوامل والإمكانات الذاتية التي يتطلبها انتصار إرادتهم في الحرية والديمقراطية والعدالة، في مواجهة القوى والأطراف الخارجية التي كان لها الدور الكبير في وصول بلادنا إلى هذا الوضع المأسوي.

ما من شك في أن أخطر العوامل التي أدت إلى انفجار وتشظّي الصراع الوطني الديمقراطي لشعبنا، وانحرافه عن مساره الطبيعي منذ الأشهر الأولى لانتفاضته العفوية السلمية، تمثل في ظاهرة النزاعات والانشقاقات التي برزت بيننا نحن -السوريين- حول هويتنا الوطنية، كماهية ورابطة مصيرية في الحاضر والمستقبل، وكانت هذه الظاهرة، التي جرى تضخيمها واستغلالها في اتجاهات مختلفة، المعول الهدام في وهن وشرخ وحدتنا الوطنية التي كانت أمضى أسلحة شعبنا على الدوام.

اليوم، إذ يُبادر العديد من أطراف المعارضات السورية، سواء في الداخل أم في الخارج، إلى الدعوة للمراجعة واستخلاص الدروس والعِبر من تجربة السنوات الماضية، وتحديد أسباب الفشل التي أدت إلى هذه النتائج الكارثية، وكيف يمكن التسلّح برؤية استراتيجية صحيحة، فإن هناك شبه إجماع، بين كل من يعنيهم الأمر، على أن قاعدة الانطلاق في هذا المسار الجديد تقتضي -قبل أي استحقاق آخر- إنشاء تحالف وطني ديمقراطي عريض، أو تيار ديمقراطي عريض، أو جبهة وطنية ديمقراطية عريضة، مهما تعددت التسميات، على أساس برنامج عملي مرحلي واضح لبناء سورية المستقبل، كدولة ديمقراطية علمانية عصرية لجميع مواطنيها من دون أي تمييز أو إقصاء أو تهميش، فبوجود هذا العامل الذاتي المطلوب، الذي يُمثّل ضرورة تاريخية ملحّة، يمكن التعامل مع المجتمع الدولي بما يكفل أن يكون الحل السياسي للقضية السورية، وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصِّلة، أقرب ما يكون إلى مصلحة شعبنا.

السؤال الذي يطرح نفسه على الجميع في هذا الصدد: كيف يمكن تأسيس هذا التحالف الوطني الديمقراطي المنشود، وامتلاك الرؤية الاستراتيجية وبرنامج العمل المطلوبين لتحقيق أهداف شعبنا، إذا كنّا حتى الآن نتجادل ونتصارع حول ماهية ومقومات هويتنا الوطنية؟ والسؤال نفسه يُوجّه أيضًا إلى أولئك الذين يتزاحمون الآن على عضوية اللجنة الدستورية التي ستُكلّف بصياغة مشروع الدستور، سواء للمرحلة الانتقالية أم للدولة الوطنية!

إن الواقع الراهن الذي لا يمكن تجاهله أو نكرانه هو أن المعركة المصطنعة والخطيرة الأبعاد والمرامي، ما تزال محتدمة ولَم تتوقف، وإن بمستويات متفاوتة، وفي تناغم مع التطورات الداخلية والإقليمية والدولية، حول طبيعة الهوية الوطنية السورية وما يتركه ذلك من تأثيرات إيجابية أو سلبية بشأن مستقبل بلدنا كدولة واحدة ديمقراطية موحدة أو كونفدرالية بكيانات هشة متجاورة؟ فالواقع الذي ينبغي الاعتراف به أن أطراف المعارضة التي ادّعت -وما تزال تدّعي- تمثيل الشعب السوري كان لها الدور الأكبر في انحراف انتفاضة الشعب السوري، وإجهاض أهدافها في التحول الديمقراطي وإنهاء نظام الاستبداد الشمولي؛ لأن هذه المعارضة لم تكن موحدة الرؤية والالتزام بشأن هوية سورية المستقبل، ومع الأسف كانت أطراف تلك المعارضات الخارجية -معظمها- التي تسوّدت ساحة الفضائيات والأجندات الخارجية، عنيفةً و”ثورجية” في الخطاب والأقوال، لكنها في الوقت نفسه كانت خفيفة ومتقلبة في المواقف والأفعال!

لم يكن هناك منهج موحد مُتّبع من قبل معارضاتنا، ومن قبل نخبنا الثقافية والسياسية، ومن ضمنهم ذلك العدد المحدود من علماء الاجتماع السياسي في عالمنا العربي، في النظرة التاريخانية للماضي، وبالتالي في هدف وكيفية التعامل مع التراث القريب والبعيد، وفي ضرورة استيعاب حصيلة إنجازات التطور الإنساني المتواصلة، فلقد تفاوتت تلك النظرة، كما هو معروف، بين اتجاهات ثلاثة: اتجاه يرى ضرورة العودة إلى هذا الماضي وضرورة إحياءه وبعثه من جديد، باعتباره يُجسّد العصر الذهبي الذي تنشده هذه الأمة كي تستعيد مكانتها بين الأمم الأخرى، واتجاه ثان يدعو إلى القطيعة التامة مع هذا الماضي والتنكر له، كي نستطيع مواكبة مسار الحداثة الكونية التي تعتبر الحضارة الغربية بكل قيمها الليبرالية -راهنًا- قاعدتها الأساس. أما الاتجاه الثالث فهو الذي يرى أن الماضي ما يزال يعيش فينا، في وعينا وتفكيرنا وسلوكنا، وأن المطلوب هو إعادة قراءة هذا الماضي بمنهج علمي عقلاني، للتعرف إلى جوانبه الإيجابية التي تدخل في نسيج خصوصيتنا، والتحرر من الجوانب السلبية التي عفا عليها الزمن والتي ما تزال تُشكّل كوابح وأغلال في طريق انعتاقنا وتقدمنا.

وكما يتفق علماء الاجتماع السياسي، فالهوية الوطنية هي في ماهيتها ذات رابطة متجددة ومتطورة عبر تعاقب مراحل التاريخ، أي أن بعض مقوماتها تضعف وتصبح ثانوية، وأن بعضها الآخر يستمر ويتجدد أو تضاف إليها مقومات أخرى، وهذا يرجع إلى أن مفاهيم القومية وعناصر تكوين الأمة الواحدة قد تطورت في عصرنا إلى أن وصلنا إلى واقع الدولة الأمة التي يكون حجرها الأساس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية، التي هي الدولة الديمقراطية التي لا يمكن أن تكون دولة قومية أو إثنية أو دينية أو عنصرية، والمعروف أن سؤال الهوية يصبح تحديًا إشكاليًا، بالنسبة إلى أي شعب من الشعوب أو أي دولة من الدول في حالة ضعفها أو مواجهتها لأزمات خطيرة لم تنجح في وضع الحلول الناجعة لها، وهذا ما نشهده في معظم مجتمعاتنا العربية التي أخفقت، منذ نيلها الاستقلال الوطني حتى الآن، في استكمال مقومات هذا الاستقلال ببناء أنظمة حكم رشيدة تمثل إرادة شعوبها وطموحاتها.

علينا أيضًا، في هذا المجال، أن لا نُغفل هنا عاملًا آخر كان له تأثيره المتعاظم في هشاشة وتشظي الهويات والكيانات الوطنية في عديد من البلدان، ألا وهو عصر العولمة بصيغته الحالية، بكل ما وفّره من معطيات إيجابية ومن أخطار وتحديات سلبية لا تزال تفعل فعلها في أوضاع كثير من المجتمعات.

تُرى هل يظل الفكر السياسي العربي يواجه موضوع الهوية الوطنية في مجتمعاتنا بصورة مجتزأة وقاصرة، عندما يُنظر إلى مقومات تكوين الأمة، وهو ما يزال أسير صراع جدل الثنائيات، فيُرجعها إلى عامل واحد: أي إلى مرحلة تاريخية تعود إلى آلاف السنين، أو إلى عامل البيئة والإقليم والمحيط الجغرافي، أو إلى عامل الرابطة الدينية والدين الواحد، أو إلى المكون القومي الأكبر حجمًا في كيان أي من هذه المجتمعات، أم إلى عامل التاريخ واللغة والثقافة المشتركة، أم أن هذه الهوية الوطنية هي بالنتيجة رابطة روحية حية للأمة التي تجمعها إرادة المصير المشترك؟

الخلاصة أننا نعتقد أن هويتنا الوطنية السورية، بأبعادها التاريخية والحضارية التي تعود إلى آلاف السنين، وإلى الدور الذي ألقته على سورية حقائق الجغرافيا والتاريخ واضطلعت به كقاعدة ورائدة لحركة التحرر والنهضة في المشرق العربي وفي المنطقة كلها، هي الهوية السورية العروبية الإنسانية الحضارية بكل هذه الأبعاد، وهذا النقاش، بل الصراع، الذي ما زال متواصلًا بين النخب السياسية والثقافية في بلادنا طوال العقد الأخير من الزمن، وبخاصة منذ إعلان دمشق، حول ماهية هويتنا الوطنية -وهو في أحد جوانبه ظاهرة إيجابية تستهدف تشخيص وتعيين أسباب الأزمة العميقة والشاملة التي يعيشها مجتمعنا- ينبغي أن يبلغ نهايته ويرسو على شاطئ الحقيقة، لأنه إذا استمر على هذا النحو فسيُعتبر تهديدًا جديًا لحاضر ومصير شعبنا الذي قدّم حتى الآن أغلى التضحيات من أجل مستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق