تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

بعد 10 جولات في (أستانا) لا تزال السياسة في سورية عسيرة

الطرفان السوريان المشاركان يقبلان ما تتفق عليه الدول الراعية

سرقت (أستانا)، العاصمة الكازاخية، الأضواءَ من جنيف، كما سرق الإسلام السياسي، وهو لعنة الربيع العربي، ثورة الشباب السوري السلمية التي لم يكن همها البتة الاستيلاء على السلطة، أو معاداة شخص، أو عائلة، أو طائفة من أطياف الشعب السوري بسبب قربها من السلطة، أو اتكاء السلطة عليها.

لقد كانت ثورة بما تعنيه الثورة من تغيير في شكل وجوهر وأساليب وأدوات وآليات إدارة البلاد، إدارة حياة السوريين، من الاستبداد إلى الديمقراطية، من الإقصاء والإلغاء إلى المشاركة في القرار والمسؤولية، من الفساد والإفساد إلى الشفافية وسيادة القانون، من حكم الفرد إلى الحوكمة، من الدولة التي تتغولها السلطة الأمنية إلى دولة القانون والمؤسسات.

خرجت الثورة السورية عن سياقها، كما يخرج قطار عن سكته، وهذا الخروج حمل عليها وعلى البلد الخراب. حيث مارس كلا الطرفين: السلطة الأمنية والمعارضة الإسلامية السياسية والمسلحة، سياسة واحدة أخذت البلد إلى الحرب، ورمتها في أحضان خوارجهما.

ثمة من تعمد منذ البداية إبعاد منظمة الأمم المتحدة عن لعب ما كان يفترض أنه دورها الرئيس، وهو حل النزاعات سلميًا، وتحقيق الأمن والسلام في العالم، وفي مناطق النزاع، رغم تدخلها الخجول عبر إرسال مبعوثين لا يتعدى الواحد منهم أن يكون أكثر من مجرد موظف لا يملك من قراره شيئًا، مع لعب دور شاهد زور على اتفاقات وتفاهمات الدول المتدخلة والفاعلة في المسألة السورية، ومدير جلسات تكاذب وتشاطر، بين وفدي سلطة ومعارضة، في غرفتين منفصلتين في جنيف، في الوقت الذي كان الخارج الروسي بغطاء أميركي يسرق المفاوضات من جنيف إلى (أستانا) للتخلص من عقدة بيان جنيف بين كلينتون ولافروف، الذي بلغ طريقًا مسدودًا، بسبب الالتباس المقصود في هيئة الحكم الانتقالية الذي خضع لتفسيرات متناقضة عطلت مسار جنيف التفاوضي، وأطالت أمد الصراع المسلح، وفاقمت نتائجه المدمرة للذات الوطنية السورية.

عشر جولات (أستانية) برعاية روسية إيرانية تركية، ومن خلف الستارة أميركا و”إسرائيل” تراقبان المفاوضات عن كثب، كان فيها الطرفان السوريان، السلطة والمعارضة، على هوامشها يقبلان ما تتفق عليه الدول الراعية. لقد نجح هذا المسار في وقف القتال، في أربع مناطق أطلق عليها (مناطق خفض التصعيد)، كمرحلة أولى، وتسليم ثلاث منها، حلب والغوطة والجنوب، لحكومة دمشق، في المرحلة الثانية، ضمن ترتيبات معينة مقابل تقاسم النفوذ بين الدول الراعية على كامل الأرض السورية. تركيا: غرب الفرات وإدلب، وإيران: الكريدور الممتد من البوكمال حتى القلمون الغربي والقصير والمنطقة الجنوبية، وروسيا: الساحل والمنطقة الوسطى حتى العاصمة، وشرق الفرات وقاعدة التنف تحت النفوذ الأميركي.

عقدتان تمخض عنهما مسار (أستانا) أقلقتا الإدارتين الأميركية والإسرائيلية: عقدة تركيا في الشمال السوري، وعقدة إيران في الجنوب السوري. حيث إن اقتراب تركيا كثيرًا من روسيا أعطاها في سورية ما لم تأخذه من أميركا، لا في ظل إدارة أوباما، ولا في ظل إدارة ترامب الحالية: (جرابلس والباب وإعزاز وعفرين ونقاط تمركز ورقابة عسكرية في إدلب والريف الشمالي لحماة). وهذا النفوذ يبدو أنه في مواجهة النفوذ الأميركي شرق الفرات الداعم للكرد وللإدارة الذاتية فيه، الذي يقلق راحة أردوغان ويزيد تقربه من روسيا، في الاقتصاد والاستثمار والتجارة والتسلح وأوكرانيا والقرم واللاجئين، وتقربه من حليفها الإيراني أيضًا، على حساب مصالح شريكها الأميركي في حلف شمال الأطلسي، سواء في سورية أم في المنطقة الممتدة من بحيرة قزوين حتى البحر الأبيض المتوسط.

إن رفض التركي الخضوع للعقوبات الأميركية على إيران، وصفقة منظومة الدفاع الجوي (س 400)، وسياسات أردوغان الداخلية، أثارت حفيظة الأميركي وأخرجته عن طوره تجاه سياسات أردوغان البهلوانية التي يلعبها على حبال تناقضات المصالح الدولية. ولم يكن الرد الأميركي القاسي، وخاصة اقتصاديًا، بذريعة اعتقال القس الأميركي من قبل الحكومة التركية، سوى تهديدها بقطع الشعرة الباقية معها، ما لم تنصع لطلبات إدارة ترامب.

أما في الجنوب السوري، فإن “إسرائيل” تريد أن تحرم إيران من الشعور بانتصار إلهي، يتحدث عنه -صباح مساء- حسن نصر الله، وذلك بالضغط على الإدارتين الروسية والأميركية، من أجل إخراجها من سورية قبل أن تنشئ (حزب الله) سوري على حدودها في الجولان المحتل، وتقوي قواعدها العسكرية في سورية، مما يصعب إخراجها منها في ما بعد. وجاء موقف إدارة ترامب الراديكالي من الاتفاق النووي مع إيران، ومن برنامجها في الصواريخ الباليستية، وتدخلاتها في المنطقة، ليقطع الشك باليقين عن نية أميركا إضعاف دور إيران في المنطقة.

لقد كان هاجس ترامب الأساس، في قمة هلسنكي مع بوتين، إضعاف دور كل من إيران وتركيا في سورية، مقابل إطلاق أميركا يد بوتين فيها. في المقابل، يدرك بوتين أن أميركا هي الوحيدة التي في مقدورها تعكير صفو سياساته في سورية، وإغراقه في رمالها المتحركة؛ إذا ما قررت دعم أي مقاومة محتملة للاحتلال الروسي. وفي الوقت ذاته، يشعر بوتين بالإحراج الشديد من كونه لا يملك القدرة والوسائل الكافية لتنفيذ رغبات ترامب، لا في الشمال السوري الذي تمددت فيه تركيا حتى صارت رقمًا صعبًا في حسابات روسيا، ولا في الجنوب السوري، حيث أقصى ما يمكن أن يقدمه بوتين، لترامب ونتنياهو، هو إبعاد إيران عن الحدود مع “إسرائيل” لمسافة قابلة للتفاوض، ربما تقبلها إيران في محافظتي درعا والقنيطرة في أي مفاوضات تؤدي إلى قبولها أميركيًا وإسرائيليًا، وترفع العقوبات عنها، ولكن لن تقبلها بسهولة في محافظة السويداء التي تعدّها إيران بيئة مواتية لبقائها في الجنوب قريبة من دمشق العاصمة، ومن “إسرائيل”، ومن بوابة الخليج العربي الشمالية.

من هذا القبيل، يشتد الصراع بين “إسرائيل” وإيران على جبل العرب، وربما يأتي هجوم (داعش) الغادر على قرى الجبل الشرقية والشمالية، واختطاف نساء وأطفال، واللعب في ملف تحريرهم من قبل جهات مختلفة، في سياق عض الأصابع بين إيران و”إسرائيل”، حول اتجاه تموضع الجبل في أي عملية سياسية مقبلة.

من وجهة نظر إسرائيلية بحتة، فإن “إسرائيل” اليهودية حذرة كل الحذر من أي دور محتمل لتركيا السنية وإيران الشيعية -إذا حافظتا على نفوذهما في سورية- في أي ترتيبات سياسية مع سورية العلوية وفلسطين السنية، في إطار ما اصطلح عليه بـ (صفقة القرن). لذلك تبدي كل ما في وسعها سياسيًا لتسويق دولة كردية في الشمال السوري، ودولة درزية في جنوبه، فتصبح الدولة اليهودية محور خارطة الشرق الأوسط السياسية الطائفية التي وحدها تحظى بالإجماع والدعم الدوليين، وخاصة من قبل أميركا وروسيا.

لم تكن روسيا تتوقع، وهي تسرق مسار جنيف، أنها تصنع “لعنة أستانا”، إضعاف الأطراف السورية والعربية، مقابل تغول أطراف إقليمية متناقضة: (إسرائيل وإيران وتركيا)، وانكشاف لعبة المصالح الدولية بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من جهة، وبين الدول الراعية لـ (أستانا) من جهة ثانية، تظهر بوادرها جليةً داخل كل من إيران وتركيا، في أزمة تدهور الريال والليرة، وربما تدرك القيادة الروسية أهمية الرسالة الموجهة إليها من إدارة ترامب، فتتلقفها في سورية، وفي مناطق أخرى، تشكل ربط نزاع معها، لا سيما أن روبلها تذوق ذات الأزمة من قبل.

في المقلب الآخر، لم تتوقع روسيا أن العملية السياسية التي مهدت لها العمليات العسكرية، في إطار اتفاقات وتفاهمات (أستانا)، هي أعقد مما تتصور، لأن منظور (أستانا) عسكري، بني على قاعدة (غالب ومغلوب)، بينما منظور جنيف سياسي بني على قاعدة (لا غالب ولا ومغلوب). وأن أعقد المسائل في العملية السياسية هي الانتقال السياسي، وقضية اللاجئين، وإعادة الإعمار، وكلها ليس في مقدور روسيا ومن معها من دول راعية لـ (أستانا) التفرد فيها وفق منظوراتها. وتأتي محاولة روسيا تقديم ملف اللاجئين على الملفات الأخرى، من قبيل المزايدة على الدول الأوروبية التي لا تنتهي بالشراء، إنما لكسب بعض الوقت، وبعض النقاط السياسية، بظهورها بمظهر الحريص على القضايا الإنسانية.

إن مسار أستانا لم يكن فقط لعنةً على الأطراف المشاركة فيه، وإنما أدى إلى تعسر ولادة سورية جديدة عبر مفاوضات سياسية ترعاها منظمة الأمم المتحدة. فهل العودة إلى مسار جنيف ما تزال حقيقية؟ أم أنها صارت من الماضي، بسبب المعطيات الجديدة التي أنتجتها (أستانا)؟ وهل من مسار آخر ينشأ ويأخذ جديته من فشل المسارين السابقين؟

لا شك أن تطبيق تفاهمات (أستانا) قد فرض معطيات جديدة على الأرض، صارت تحول دون العودة إلى جنيف بنسخته الأولى (بيان جنيف1، والقرار 2254)، فالمعارضة التي تفاوض أصبحت بلا أنياب، وتركيا التي تدير جناحها الإسلامي الأقوى تهتم قبل كل شيء في تأمين منطقة نفوذ لها غربي الفرات، والنظام فقد قدرته على المناورة السياسية، بسبب الانقسامات الحاصلة في داخله حول بقاء إيران في سورية، بين قسم يؤيد بقاءها، وقسم يؤيد وجهة النظر الروسية التي تتلاقى مع طلبات أميركية وإسرائيلية بخروج إيران. وفي المقابل، توجد أميركا التي تقود تحالفًا دوليًا ضد (داعش) شرقي الفرات، وتدعم (قوات سورية الديمقراطية)، و(الإدارة الذاتية) التي يقودها الكرد، ولها تسع قواعد عسكرية فيها.

إن التناقضات الدولية التي كانت تتحكم بمفاوضات جنيف صارت أكثر تعقيدًا بعد (أستانا)، مما كانت عليه قبلها. وعلى ذلك؛ فإن فرص العودة إلى مسار جنيف صارت معدومة، ما لم تتمكن روسيا وأميركا من إضعاف دور تركيا وإيران شمال وجنوب سورية، والاتفاق على خارطة طريق جديدة على أساس تقاطع مصالحهما، وليس تناقضاتها، وهذا يتوقف على مدى توافق المصالح الاستراتيجية، بين الرئيسين ترامب وبوتين، على القضايا المتنازع عليها. إذًا، ولادة سورية جديدة وفق مسار جنيف المعدل ترتبط بتوافقات روسية ـ أميركية في قضايا أخرى، ربما تكون مؤجلة في الوقت الحاضر.

لقد استغرق كل من مسار جنيف، ومسار (أستانا)، سنوات عدة، لم يتمكنا خلال جولاتهما الكثيرة من جمع السوريين على طاولة مفاوضات واحدة، من دون مؤثرات خارجية، كما لم يتمكنا من تشكيل لجنة مشتركة واحدة، لبحث موضوع واحد وتوقيع وثيقة واحدة مشتركة، بل يمكن القول إن المسارين نجحا في توسيع الهوة بين السوريين، عوضًا عن ردمها. وهذا في حد ذاته يشكل أكبر فشل لمفاوضات جنيف و(أستانا)، سوريًا.

إن هذا الفشل يطرح السؤال جديًا على السوريين: لماذا يتم تنحية الخيارات الوطنية العابرة لتقسيم موالاة/ معارضة، التي يمكن أن تتبلور من خلال حوار وطني، أو مفاوضات مباشرة، بين أطراف سورية متعددة تمثل الشعب السوري، بكامل مكوناته العرقية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، على أساس ولادة سورية جديدة لكل السوريين؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق