هموم ثقافية

الهجرة “أيّام اللولو”

قبل الربيع العربي بسنوات كثيرة، فَقَدَ المبدعان، المصريّ نصر حامد أبو زيد، والسوري زكريّا تامر، قُدرتيهما على تحمّل أوضاع بلديهما، فشدَّا -وأسرتيهما- الرحيل للإقامة النهائيّة في بلدين أوروبيين، من دون أيّ عودة لهما، إلا على سبيل الزيارة فقط.

في ذلك الوقت -بعد هجرته مصر- لم يتردَّد نصر حامد أبو زيد، عبر أكثر من حوار صحافيّ ومتلفز، في عرض المأساة المريرة، لا مأساته الشخصيّة الذاتيّة، وإنما المجتمعيّة داخل مصر، التي أودت (نعم، أودت وليس دفعت) به إلى الهجرة، والإقامة النهائية خارج مصر. فيتساءل عن مؤسسة نشاطه الرئيسة قائلًا: “ماذا حدث في الجامعة التي تركتُها سنة 1995؟ إنّها تزداد انحطاطًا على المستوى العام، وتزداد بؤسًا على مستوى الدراسات المتَّصلة بالفكر الديني”، مؤكّدًا أن ما حصل معه في مصر لم يكن “اضطهادًا دينيًّا، بل هو أزمة سياسيّة خانقة، أدَّت إلى استقطاب حادّ بين التيَّار العلماني أو الليبرالي أو الديمقراطي والتيَّار الديني”. وهو ما صادقتْ على صحّته أحوالُ السنوات التالية على رؤية مفكّرنا.

وكذا قرّر زكريا تامر -وهو الذي لم يحظَ كاتبُ قصةٍ سوريّ بما حظي به من الشهرة والاهتمام والتقدير، لدى قرائه ومتابعيه والوسط الثقافي- الهجرةَ من بلده مُتوجّهًا إلى بريطانيا العام 1981. أمّا عن أسباب هجرته فقد ذهب في حوار معه -آنذاك- إلى أبعد وأخطر مما ذهب إليه أبو زيد، إذ يقول إنَّ توقّفه عن الكتابة وهو في سوريَّة “لم يكن سببُه فقرًا ذاتيًّا داخليًّا، بل كان سببُه كامنًا في العالم الخارجي الذي أعيش فيه يوميًّا، فكان لا بدَّ لي من الرحيل إلى عالم آخر، إنقاذًا لزكريا تامر الكاتب”.

وفي “عالم آخر” -أي بريطانيا- عاش كاتبُنا هانئًا، ويؤكد ذلك بقوله: “لم أحسّ يومًا بأني مُهانٌ أو مضطهدٌ”، لا في لندن طوال عشر سنوات، ولا في مدينة أكسفورد التي “أحببتها، وأشتاق إليها حين أبتعد عنها، وأشعر أحيانًا كأنني وُلدتُ في أحد بيوتها”. نعم، إلى هذا الحدّ من الشعور بالقرب والألفة والتوحّد، عاش كاتبنا السوريُّ في مدينةٍ يُفترض أنها غريبة القلب والوجه واللسان.

المفزع والمُرعب أن تكون بُلدان المهجر (هولندا وبريطانيا في المثالين) أشدّ راحة للكاتبين، وأفسح في الأفق لرؤاهما، وأرغد لعيش أسرتيهما، وآمن لمستقبل أبنائهما من بلديهما؛ بحيث شعر تامر، وهو الدمشقيُّ وصاحبُ القصص الدمشقيّة، كأنّه وُلد في أحد بيوت أكسفورد -وفق تعبيره- وشعر أبو زيد بأن هولندا أفسحت في فضاء الحريّة التامَّة أمامه، للتعبير عن آرائه وأفكاره ورؤاه، مُقدّرةً مكانته وثقافته، ومحترمة خصوصيّته، بما في ذلك إصراره على افتتاح مختلف محاضراته بنطق الشهادتين، ثم بتوجيه تحذيره الصريح للحضور: “إذا كنتم حضرتم لكي تحتفلوا بي باعتباري مرتدًّا أو عدوًّا للإسلام؛ فقد أخطأتم”.

هذه عيّنة -مجرَّد عيّنة ومثال- من حياة كاتبين عربيين بارزين، ضاق حالهما في موطنيهما فهاجرا هجرة أخيرة، على الرغم من أن بلديهما -آنذاك- كانا في “أيّام اللولو”، على حدّ التعبير الشعبي. وثمّة العديد غيرهما من المبدعين العرب البارزين -كتَّابًا وفنّانين وذوي اختصاصات متنوّعة- ممن هاجروا نهائيًّا، فكانوا يُدرجون تحت مسمّى “هجرة العقول”.

مناسبة هذا الكلام -وغيره مستقبلًا مما له صلة بالموضوع- تساؤلٌ راهنٌ لا يني يُطرح على السوريّ، في أيّ بقعة من الأرض حلَّ: “تُرى، ألا تنوي العودة إلى بلدك؟”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق