مقالات الرأي

في محاولات الفصل بين الأخلاقي والسياسي

ازدادت في الأسابيع الأخيرة المحاولات الروسية الساعية للفصل بين الملفين الإنساني والسياسي للوضع في سورية، وكانت هذه المحاولات بارزة في زيارات بوتين وبوغدانوف ولافروف ووزراء روس آخرين إلى العديد من العواصم العربية والأوروبية. وتجسدت تلك المحاولات في القول بضرورة العمل على عودة اللاجئين السوريين إلى سورية، والبدء بعملية “إعادة الإعمار” بتمويل دولي، من دون ربط ذلك بحصول أي تغييرٍ، أو إصلاح سياسي، في سورية. وقد أصبح شائعًا الحديث عن “مبادرة بوتين لعودة اللاجئين السوريين إلى سورية”. وفي هذا السياق، جاء تأكيد وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل “رفض بلاده محاولات ربط عودة اللاجئين السوريين بالعملية السياسية في وطنهم”. كما توازت هذه المحاولات الروسية مع تصريحات بشار الأسد وبعض المسؤولين في نظامه، بترحيبهم بعودة اللاجئين أو النازحين السوريين إلى سورية، ولن أناقش هنا ما الذي يعنيه مسؤولو نظام الأسد، عند حديثهم عن هذه العودة (يمكن العودة إلى مقال مي السعدني When Assad asks Syrians to come home, here’s what he really means“)، بل سأكتفي بالإشارة إلى تلك المحاولة الوقحة للفصل بين البعدين الإنساني والسياسي، في تناول القضية السورية.

تأتي مسألة اللاجئين و/ أو النازحين السوريين خارج سورية ومعاناتهم الكبيرة في مقدمات مكونات البعد الإنساني/ الأخلاقي المتداول للقضية السورية، وتحاول روسيا، ومن ورائها نظام الأسد، ابتزاز الدول الغربية، من خلال مطالبتها بأن تسهم هذه الدول في “إعادة إعمار سورية” مقابل “تخليص” هذه الدول من اللاجئين الموجودين لديها. وعلى هذا الأساس نفهم قول فيصل المقداد إن “ربط الدول الأوروبية بين إعادة إعمار سورية والعملية السياسية يعرقل عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم”.

لقد وصفت محاولة الفصل بين البعدين الإنساني والسياسي بالوقحة، لأن هذه المحاولة تتجاهل وتغفل عمدًا الأساس السياسي للبعد الإنساني، وتروج لكذبة أن اللاجئين قد هربوا من إرهاب (داعش) والمعارضين لنظام الأسد، وأن سبب خروجهم من سورية قد تلاشى، بعد سيطرة ميليشيات الأسد وحلفائه على معظم الأراضي التي كانت خاضعة ﻟ “المعارضين الإرهابيين”، وانطلاقًا من ذلك يبدو ممكنًا الحديث عن عودة اللاجئين السوريين دون أي حدوث أي تغييرٍ في التنظيم السياسي/ الأمني المستبد بالبلاد و”العباد”. وباسم الواقعية والبراجماتية، يجري الحديث، في هذا الخصوص، عن ضرورة الحوار مع تنظيم الأسد لتنظيم عودة اللاجئين السوريين إلى سورية. وعلى هذا الأساس جاء تصريح النائب الألماني (عن حزب البديل اليميني المتطرف) أرمين باولوس هامبل Armin-Paulus Hampel  عن ضرورة حوار الحكومة الألمانية مع نظام الأسد، لتنظيم عودة اللاجئين السوريين إلى سورية، بغض النظر عن قيامها بذلك بطيب خاطرٍ أو بالإكراه.

هكذا تبدو المعادلة واضحة، في هذا الخصوص: فصل الإنساني/ الأخلاقي عن السياسي يعني، في هذا السياق، اختزال القضية السورية إلى قضية معاناة بشر/ لاجئين، وتغييب أي حديث عن الديمقراطية والحريات والعدالة والمحاسبة والانتقال السياسي… إلخ. والهدف من هذا الفصل هو إعادة تعويم تنظيم الأسد وشرعنته وتزويده بأموال ﻟ “إعادة الإعمار” دون القيام بأي تغيير سياسي حقيقي أو فعلي في بنية تنظيم الأسد أو مضمون هذا التنظيم وممارساته الاستبدادية.

على الرغم من وقاحة الفصل المذكور، بين الجانبين السياسي والإنساني/ الأخلاقي، فإنه لا يبدو، في السياق الحالي، مفاجئًا، إذا أخذنا بعين الاعتبار نوعية الأطراف التي تتتبناه وتروِّج له: تنظيم الأسد، نظام بوتين، جبران باسيل، الأحزاب اليمينية الغربية المتطرفة… إلخ. المفاجئ أو الصادم هو أن يتبنى سوريون يقولون إنهم مؤيدون للثورة، هذا الفصل، تبنيًّا مباشرًا أو غير مباشرٍ. وسأعرض في ما يلي نموذجًا حديثًا لهذه المفاجأة الصادمة.

زياد كلثوم فنان سوري نال فيلمه الوثائقي (طعم الإسمنت) مؤخرًا جائزة في مهرجان وهران السينمائي في الجزائر، وقد أثار تسلم الممثلة شكران المرتجى للجائزة دهشة كثيرين، واستغرابهم، لكونها “موالية” لتنظيم الأسد، في حين أن زياد كلثوم أعلن بوضوحٍ تأييده للثورة ضد هذا التنظيم، وقد كتب السيد كلثوم منشورًا فيسبوكيًّا، أقتبس في ما يلي “أهم” ما جاء فيه: “أتمنى من الجميع عدم إرسال أي رسالة والسؤال بخصوص ما حدث في مهرجان وهران السينمائي، وتسلم الفنانة شكران مرتجى للجائزة، والكف عن تصنيف فيلمي تحت عنوان أنه ينتمي إلى أفلام (المعارضة)؟!! أو إلى أي فصيل سياسي. الأفلام التي أصنعها مبنية على موقف إنساني بعيدًا كل البعد عن أي بروباغندا لأي طرف، لأنني ببساطة لا أنتمي إلى أي طرف، أنتمي فقط إلى إنسانيتي ووجداني، وسبق أن ذكرت أنني لا أصنع أفلام بروباغندا حتى للثورة التي أؤمن بها”.

كيف يمكن للإنسان أن يكون مؤمنًا بثورة دون أن ينتمي إلى أي طرف فيها، ودون أن يكون مع أو ضد أي طرفٍ فيها؟ كيف يمكن إبراز الانتماء إلى الإنسانية والوجدان، مع اتخاذ مسافة واحدة من جميع الأطراف من حيث (عدم) الانتماء إليها أو (عدم) تأييدها؟ هل تسمح الإنسانية الأخلاقية والوجدانية لأي إنسان بأن يساوي بين المجرم والضحية، أو بأن يتعاون مع مؤيدي المجرم، باسم الانتماء إلى إنسانيةٍ ووجدانٍ ما؟! قد يكون لدى كلثوم ما يقوله في خصوص مثل هذه الأسئلة، لكنه لا يجد ضرورة لمناقشة المسألة، فهو لا يرى معقولية أو مقبولية في استغراب الكثيرين من استلام ممثلة موالية لنظام مجرمٍ جائزة فيلم أخرجه هو المؤمن بالثورة على هذا النظام.

ربما كان استغراب المستغربين ناتجًا عن كونهم منحازين أو منتمين إلى أحد أطراف الصراع القائم في سورية. أما كلثوم فهو -كما يقول- لا ينتمي إلى أي طرف بل ينتمي فقط إلى إنسانيته ووجدانه. لكن كيف يمكننا الانتماء إلى إنسانيةٍ ما، بالمعنى الأخلاقي للانتماء، دون أن ننتمي إلى طرفٍ ما من أطراف صراعٍ سياسي/ أخلاقي/ وجودي ما. ربما كانت إنسانية كلثوم قد جعلته يحبّ جميع البشر أو يكره جميع البشر بالدرجة ذاتها، من دون أي تفاضل أو تفضيلٍ بينهم. لكن ألا يقتضي إيمانه بالثورة أن يكون مع (بعض) الثائرين وضد من قامت الثورة ضده(م)؟ ألا يقتضي هذا الإيمان (المزعوم) اتخاذ موقفٍ مبدئي من تنظيم الأسد ومؤيديه، وتفهم استهجان التعاون مع هؤلاء المؤيدين، في عمل فني يتناول القضية السورية في بعدها الإنساني؟

إن محاولات الفصل بين الأخلاق والسياسة أو بين البعد الإنساني والبعد السياسي، هي عمومًا محاولات بائسة فاشلة، ويزداد بؤس هذه المحاولات وفشلها في السياق السوري الحالي. وفي كل الأحوال ينبغي النظر إلى هذه المحاولات والتعامل معها على أنها تجسّد موقفًا (لا) أخلاقيًّا وسياسيًّا بائسًا، على الرغم من ادعاء هذ الموقف غالبًا الارتكاز على رؤية إنسانية لا سياسية ووجدانٍ أخلاقي سام.

من المرجَّح كثيرًا أن تزداد، في المدى المنظور، عمليات العودة الطوعية، أو القسرية، إلى حضن الوطن/ النظام، أو بوطه العسكري (لا فرق)، وأن يزداد عدد المعارضين ومؤيدي الثورة الذي يروجون لضرورة حصول هذه العودة، بحسن نية، أو بسوء نية، وربما يشارك بعضهم في التوسط من أجل حصول هذه العودة، كما فعل لؤي حسين منذ بضعة أسابيع. ومن المرجح أيضًا، خلال الفترة ذاتها، ازدياد عدد المنتقلين من موقف المؤيد للثورة إلى موقف “إنساني” رمادي يدّعي عدم الانتماء إلى أي طرف و/ أو الانتماء، في الوقت نفسه، إلى جميع الأطراف، على حدٍّ سواء. وإذا كان من الضروري تعليق الأحكام الأخلاقية على المضطرين إلى هذه العودة والمكرهين على القيام بها؛ فمن الضروري التصدي لمحاولات تمييع القضية السورية وتحوير مفاهيمها الأساسية، والعمل على منع تحويل هذه القضية إلى مسألة إنسانية/ أخلاقية صرفة ليس لها أي بعد سياسي، أو إلى مسألة سياسية صرفة، ليس لها أي بعدٍ إنساني/ أخلاقي.

معارضة تنظيم الأسد (أو تأييده) هي موقفٌ سياسي وأخلاقي في الوقت نفسه. ويمكن للمرء التبرؤ من كل مؤسسات المعارضة، من دون أن يتبنى بالضرورة المواقف “الإنسانية” الرمادية المحايدة وغير المؤيدة لأي طرفٍ. فالوقوف إلى جانب المستضعفين والمقموعين والمظلومين، ومعارضة مستضعفيهم وقامعيهم وظالميهم، يظل واجبًا اخلاقيًا/ سياسيًا، وأي محاولة لتحييد الذات أو الآخرين، في هذا الخصوص، هي محاولة لا أخلاقية، على الرغم من ادعائها الأخلاقية، وهي منحازة سياسيًّا، على الرغم من ادعائها أنها لا-سياسية و”إنسانية” ووجدانية فقط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق