أدب وفنون

منفية على نجم بارد

“ظهرت لي مارلين مونرو الليلة الماضية في حلم كعرابة جنيّة”

ما الذي كانت تريده الحياة من سيلفيا بلاث؟

الحب، الشهرة، الشعر، السفر، الأمومة، الحرية، تريد لأحلامها أن تتحقق جميعًا دفعة واحدة، كانت تعلم بحدس الشاعر الحقيقي أن الأمنيات لن تجيء في الهيئة التي نشكلها في مخيلتنا، ولا في التوقيت الذي نراه مناسبًا لقدومها.

الحياة لها قوانينها الخاصة، ومع الشعر لن تبدو القصة رحيمة وخلابة، لا بد للقلق أن يضبط حساسيته أو أن يشبه الطبيعة التي خلق وعاش منها.

بلاث عرفت ألم التناقض الذي تولده طبيعتنا كبشر؛ كوننا نحب ونغار، ونطلب الحرية في الوقت ذاته، نسعى لنتملك من نحب، نريد الفوضى والصراخ والشعر، ونريد غطاء الأمومة الأبيض.

بدأت كتابة يومياتها منذ عام 1950 ولم تتركها يومًا، سردًا اعترافيًا تدور في وحشته نظرة بلاث إلى الأشياء والعالم من حولها.

“ربما لن أكون سعيدة أبدًا لكني الليلة راضية، لا شيء سوى منزل فارغ، إرهاق غامض دافئ، من يوم مقضي في زرع سوق براعم الفراولة في الشمس”.

نُشرت رسائلها ويومياتها، ودرات حول حياتها العديد من الأسئلة، كشاعرة، وزوجة للشاعر الإنكليزي تد هيوز، وكشخصية إشكالية تركت الحياة وهي في بداية الثلاثين من عمرها، وشكّل غموض تجربتها وطريقة رحيلها لغزًا وفضولًا للكثيرين، قادهم إلى الشغف بتفاصيل وحقيقة بلاث، بداية من طفولتها ومن ثم التحاقها بجامعة كامبريدج، ولقائها مع هيوز الذي انتهى بالزواج في 1956، وما نشأ في تلك العلاقة من أوجاع أخرى قادت سيلفيا إلى اختيار موتها بنفسها.

الفضول الذي حملني إليها ليس حياتها بالمعنى الدقيق، ولا تلك الظروف الغريبة التي عاشتها، وكتبت عنها ولها وتحت ضغطها، ما يثيرني في قراءة شعرها هو الحدس المتآلف مع طريقة موتها، وكأن الموت حاسة عاشت ونمت مع بقية حواسها، هل لأن الشعر يعطي لكل شيء قطعة من لحمه، ليمشي المستقبل بهذا الشكل المخيف الغريب في عينيه، وبين كل سطر يكتبه لا شعوريًّا، كتوصيف يومي لحالة عابرة؟

أول قصيدة قرأتْها بعد أن تعرفت إلى تد هيوز كان مطلعها: “يومًا ما سيكون هو موتي”. أجابها تد هيوز: أتمنى أن لا تكوني ممن يتكهنون بالمستقبل.

تكتب بلا توقف عن الموت، بعد أن صادقته مدة ثلاثة أيام، عندما تناولت علبة منوم كاملة. الطفلة التي قرأت كلام النجوم عن الغبار والهواء ورائحة الطين وأوراق الشجر الميتة وحشرات المصابيح.. تناولت خمسين حبة من المنوم الذي سرقته من خزانة أمها، مع شرشف أبيض، ونزلت إلى القبو أو ما كانت تسميه “العالم السفلي”، تمددت على ظهرها بانتظار “هاديس” إله العالم السفلي.

بعد ثلاثة أيام، تم إنقاذها شاحبة تدفع جسدها في العتمة أو في مكان يحقق لها الأمان. وعندما قبلها الحب لأول مرة تذكرت فيدرا، وهي تنظر إلى اللوحة التي كان يرسمها بقلم رصاص، كتبت بعد عودتها من شعورها: “أنا الليلة قبيحة، فقدتُ كل إيمان بقدرتي على جذب الرجال، ما الذي يجعل الواحد ينجذب إلى الآخر”؟

أخاف اللاشعور عندما يكتب ويبوح، ففيه نتمشى عراة من حقيقة وجودنا، التنبؤ في يوميات سيلفيا كان أقسى من انتحارها، قبل أن تقترب الوحدة من حياتها كخبرة وألم، رأت بلاث بيتها الوحيد بأم عينها:

“إنها تنشأ مثل مرض دم ينتشر في أنحاء الجسم، حيث لا يستطيع المرء أن يحدد المنشأ، وحيدة في غرفتي بين عالمين، الحنين كمرض، ببطء، بألم عظيم، كأني أنجب طفلًا لا متناهيًا وبدائيًا، أرقد هنا وأدع الأحاسيس تنمو، تنظر إلى نفسها وتسجل نفسها في كلمات”.

منذ الطفولة، بدأت كتابة اليوميات ولم تنقطع عنها، إلى حين وفاتها في 1963، اليوميات التي جاءت فيما بعد امتدادًا لتجربتها الحسية مع شعر الاعتراف، متأثرة بشاعره المعروف روبرت لويل.

عام 1952 أدخلت بلاث إلى المصح النفسي للعلاج، بعد محاولاتها الانتحارية التي جاءت مجموعتها “مرطبان الخواء الرنان”، كجسد ينبض ويكرر مشاهد الانهيارات العصبية التي عانتها وقادتها إلى الانتحار مخنوقة برائحة الغاز.

حسب قولها المؤلم: “كدابة تقاد إلى الأكل” أثناء الجلسات الكهربائية، كان اثنان من الممرضين يقودانها، تدخل سيلفيا في حلمها وتعود إلى فيدرا التي شنقت نفسها من أجل الحب، كانت فيدرا تنسيها 450 فولتًا من الجرعات الكهربائية فوق رأسها وجبينها.

خلال فترة انفصالها عن تيد هيوز التي تعتبر أهم فترة في حياتها، عمليًا وإبداعيًا، لم تستطع بلاث أن تكون الزوجة التي تدير البيت وتؤمن ظروف الراحة والهدوء لزوجها الكاتب ذي المزاج الحاد، وحبه للمغامرات النسائية، هي تفيض وتغلي بالشعر والظهور والشهرة والقلق، خافت على اسمها أن لا يعيش مثل إيميلي برونتي، كلفتها الأمومة ما يفوق طاقتها القلقة، الأسرة- السجن.

في السيدة أليعازر، تكتب سيلفيا بلاث: “الموت فن ككل شيء آخر، أتقنه بشكل استثنائي“.

ذات يوم خلال نزهة في الغابة برفقة تيد هيوز وعمه، خلف أجمة من القصب، اختفت سيلفيا، كان الحديث عن مرتفعات وذرينغ وإيميلي برونتي التي توفيت في الثلاثين من عمرها، وجدها تيد تبكي بحرقة والدموع تملأ عينيها “اعتقدتُ لوهلة أن ما يبكيها هو التعب من رحلة طويلة“. لكنها كانت تبكي بسبب الوقت، أو ما الذي يتركه الآخرون في هذا العالم؟

رحلة إلى مرتفعات وذرينغ أرض إميلي برونتي التي كتبت روايتها تحت اسم مستعار وماتت وحيدة دون شهرة، لماذا تألمت سيلفيا بهذه القسوة في مرتفعات وذرينغ؟ ومع إميلي برونتي؟

هل شعرت بصداقة حقيقية مع برونتي بمصير مشترك؟

ربما رأت شريط حياتها يتدلى أمام عينيها فخافت، وحاولت أن تذوي بعيدًا بدموعها ورعشتها، كان هناك سؤال دائم يدور في رأسها: ما الذي يبقى من كل شيء؟ وهي التي شهدت الحرب العالمية الثانية والهولوكوست والموت الجماعي وروعتها السير التي سمعتها: احكِ لي عن الحرب…ما كان شعورك وأنت تقتل أحدًا؟

لم تستطع أن تكون الإله الذي يحقق الحرية والعدل والأمان، تمنت أن تكون رجلًا، بعد أن كبرت الظلال وسورت روحها، وتحولت أحلامها من فكرة إلى وهم يعيش مع أسرة أنستها ماذا تحب وماذا تكره، لتعيش كما تحب التقاليد لا كما أحبت هي ورغبت.

أمشي وحيدة.. وتحت قدمي، يولد شارع منتصف الليل.

في الثامنة من عمرها بدأت تربي عصفورًا في مخيلتها، تنظر إلى النافذة وتنام في نسمة ثلجية، لا تريد أن تفيق الشجرة ولا الطريق، لا تريد أن تتعلم الشعر غير هكذا.

أتمنى أن أكون قادرة على كتابة المشاعر التي تنتابني الآن، الآن وأنا ما زلت صغيرة، لأني حين أكبر، أعرف كيف يجب أن اكتب، لكني سأكون نسيت كنه المشاعر الصغيرة”.

في “نظرة قريبة من آرييل” مع الكاتبة نانسي هانتر ستاينر، دعوة لاحتساء الشاي برفقة سيلفيا وهيوز، كتبت ستاينر عن شحوب سيلفيا وخجلها وانطوائها الملفت.

لم يكن أحد يقترب منها ويحبها، شعَر جميع رفاق هيوز بأن زواجه منها بمثابة خيانة لهم، تد هيوز الذي حذف يومياتها الأخيرة قبل الانتحار، ورفض أن ينشر أي شيء يخص سيلفيا دون إذن مسبق منه، كان يبحث في قصائدها عن وجهه وصوته، لكنه الشعر، منذ القديم، وكأنه اكتمل وجهز الطريق لحياة بلاث، كأنها كتبته وهي مراهقة وفعلته أو تصرفته عندما نسخته على ورقة، برفقة قلم وحبر، ليكون كما خلق حول نفسها ومن نفسها، ولا ينتقل من ذاك العرض المسرحي الذي يسمى (الذات) إلا ليصب في روحها.

تنتحب وتصف نفسها بأنها عاهرة، كان وجودها يتأرجح بين ما طالبتها الطبيعة والمجتمع من شروط، من أمومة واعتراف، وبين حياتها التي تريد أن تمر من أمامها كفصل الخريف.

انتقمت من الحياة التي أخذت منها كل ما تحب وتحلم به، بالموت، شهوة عدائية قلقة رغبت بها بلاث، لن تعطي الحياة فرصة أخرى كي تؤلمها، ولن تسمح للموت بأن يكون طبيعيًا كحياتها، لذلك لم تنتظره أبدًا بل ذهبت إليه بعد أن قبلت طفليها وأغلقت باب غرفتهما جيدًا كما لو كانت ذاهبة إلى موعد عشاء.

هل تصدق: عندما أموت سآتي إليك في هيئة شبح، تمامًا كالشحاذ في أغنية فالس ماتيلدا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق