أدب وفنون

الطابق اللا نهائي

فتح بابَ المصعد بصعوبة وكأنه باب قلعة، دلف إلى الداخل وأُغلِق الباب خلفه أوتوماتيكيًا. نظر إلى نفسهِ في المرآة. تجاوز السبعين وتجاوز شعر رأسه -أو ما تبقى منه- كل الخطوط السوداء. طرقات كثيرة متداخلة متعرّجة محفورة على وجهه الضخم من جمجمته البارزة كمدفعية حتى أنفهِ المعقوف المزركش ببثور وشامة عند الرأس بالجانب الأيسر. حاجباه الكثيفان يظللان عينيه التائهتين الحزينتين. حليق الذقن مما جعل الطرقات المتعرجة تبرز أكثر وتُلفّح وجهه كيدي امرآة أمسكت برأسه تتأمله وتصلي لإلهٍ يمدّها بالقوة كي تقضي عليه بقبلة!

أُطفِئ ضوء المصعد آليًا، مدّ يده إلى لوحة الأرقام دون النظر إليها. ضغط على الرقم (0) وكأنه ضغط على زر الإنارة. شد الروبديشامبر الصوفي ذي المربعات الزرقاء والحمراء. أصدر المصعد هديرًا قويًا بسبب الحبال المهترئة، ترنّحت الحجرة وسعل الصدأ الذي فيها، ثم أخذت بالهبوط وكأنها شاحنة عجوز.

أغمض عينيه.. أخذ نفسًا عميقًا.. ها هو يقترب من الطابق السادس..

بيت أم ماهر.. العجوز التي لا تموت. كانت ترسله أمه ومعه صحن فنجان القهوة لتملأه أم ماهر “بكمشة بهار أو فلفل” أو فنجان صغير من أجل زيت للسلطة. كانت فرحته عارمة حين تناديه وتقول له: “انزل عند خالتك أم ماهر”. يهبط الدرجات العريضة قفزًا، يدق الباب بطريقة تعرفها العجوز جيدًا، تضحك وتصرخ من الداخل “ميييين!” تفتح الباب فينقض على قدمها المنتفخة جرّاء السكري ويضمها بشدّة وحبّ. تُخرج من جيبها سكاكر ملونة وتعطيه ثم تسأله “شو بدا الماما يا بطل؟”

حين أصبح في التاسعة عشر، عرف أن لا وجود لماهر ولا لأبو ماهر. عرف أن أم ماهر هرّبت شابًا فلسطينيًا -ماهر- من لبنان. وسكن معها في هذا البيت. إلا أنه خرج يومًا ولم يعد.

وعرف أن أم ماهر “ماتت” في بيتها، ولم يعلم الجيران حتى خرجت رائحة جثتها وقرعت على الأبواب..

كان في الثالثة والعشرين، وكان في ألمانيا يدرس الطب..

أطلق زفيرًا وأسند يده البيضاء الزهرية على الجدار الأحمر لحجرة المصعد. ابتسم حين سمع رنّة الجرس (تك) معلنة الوصول إلى الطابق الخامس..

الأستاذ عباس.. أستاذ مادة الفيزياء الفاشل! كان بأخلاقٍ سيئة كتدريسه. عيناه الجاحظتان اللتان تقطران تكبّرًا وحقدًا، لا أحد يعلم لِمَ شعره الكثيف الرمادي وجسده النحيل مع بنطاله القماشي بخصره العالي الذي يصل لحدود صدره، يشد الحزام فيختنق قميصه -كل قمصانه ذات مربعات صغيرة وألوان غير متناسقة- كل تلك التفاصيل تشكل صورة هزلية عن الأستاذ عباس. إلى أن ابنه وزوجته على عكسه. كان ابنه أمجد، الصديق المقرّب منه. افترقا حين سافر إلى ألمانيا والتحق أمجد بالجيش ليصير ضابطًا. بقي على تواصل معه إلى أن تغيرت الظروف وانقطعت الأخبار. خاصة بعد انفصال الأستاذ عباس عن زوجته -جاء متأخرًا هذا القرار- مما جعل أخبار أمجد تنقطع وتتلاشى كل الخيوط التي تدل على وجود أمجد..

كل ما يتذكره عن أمجد والكم الهائل من الذكريات معه، سهرته الأخيرة قبل السفر، على السطح، مع البيرة. أمجد كان الوحيد ضد قرار السفر.. كان يترجاه أن يعدل عن قراره. لم يفهم سبب الإلحاح الغريب هذا، لكنه اعترف بأن أمجد كان على حق.. في السنة الثانية.. في سيبيريا!

مع صوت (تك) عند الطابق الرابع، أعاد النظر إلى وجهه في المرآة.. تجمّد كليًّا.. اتسعت حدقتاه.

فتاة تقف خلفه، بشعرٍ أسود فاحم مجعد كسلسلة خواتم لا تصل إلى كتفيها. عينان سوداوان محاطتان بكحل يجعلهما ثقبين أسودين! أحمر الشفاه المستلقي على هضبة شفتيها الصغيرتين يثير شهية القُبل. نحيفة.. متوسطة الطول.. ترتدي قميصًا أبيضًا وشالًا حريريًا صغيرًا أخضر بنقط حمراء صغيرة، يلتف حول عنقها الأبيض كجوز الهند.. إنها هي.. لين!

لين التي كان يلعب معها قبل أيام المدرسة.. أحبّها بعد منافسة طفولية مع أمجد. أمجد كان بعيدًا عن مغامرات الحب، تستهويه الأمور الجدية والواقعية -العسكرية- تذكّر كيف همست أم لين في المطبخ لأمه، أن الصبي لم يعد صديق الفتاة، بات يحبّها.. ابتسمت أمه وهي تخرج الكعك بالقرفة من الفرن، سألتها “أي بنت من بناتك.. الله يخليهن”. كانوا ثلاث بنات، لكن لين هي من سحرته منذ الطفولة..

حين قرر السفر، شجّعته ودعمته بكافة الطرق. كانت تدرس الأدب الانكليزي، وراحت تخطط لدراسة الألمانية للحاق به بعد التخرج. وهكذا تعمل في مجال الترجمة. إلا أن غيابه وانقطاع الأخبار كليًّا.. هدم كل شيء بل دمّر لين بكل معنى الكلمة!

في البداية ظنّت أنه قُتل أو أُصيب بمكروه. إلا أن غيابه الذي فاق السبع سنوات. أكدت أنه اختفى عن قصد وأنه كان بالإمكان إرسال رسالة أو خبر يدلّ عن مكانه. بقيت ترتدي الثوب الأسود مدة ثلاثة عشر عامًا.. رفضت كل من تقدّم لزواجها.. تزوّجت كل أخواتها. أعانت أبيها الذي أصيب بفالج نصفي حتى توفي، وكذلك كانت مع أمها التي أُصيبت بالزهايمر حتى وفاتها. وحين صارت وحيدة.. انتحرت!

أحنى رأسه للأسفل مخفيًا دمعته عنها. وأطلق المصعد (تك) الطابق الثالث…

طابق نظيرة.. التي تقرأ بالفنجان وتعرف لغة الكف. كل أخبار النجوم والمستقبل بيدها كخاتمٍ من خواتمها الغريبة ذات الأحجار الكريمة. كان يزورها خفية، كانت تعشقه لأنه يشبه ابنها.. ابنها الذي توفي بالسرطان بعد أن صار طبيبًا. أخبرته أنها اختارت هذا العمل لزرع الأمل في قلوب الناس لا أكثر. لو أن أحدهم مهّد خبر مرض ابنها لما كانت وفاته ثقيلة هكذا..

قبل سفره، زارها وقرأت له الفنجان وهما يضحكان لأنهما يعلمان أنها مجرد خرافات، ولعبة ليس إلا.. إلا أنه في ذلك اليوم، وقع فنجانه من يدها وهي تقرأ خريطته.. قالت له: “لا تسافر، ابني.. الله يخليك”.

ضاق نفسه مع (تك) الطابق الأول. الطابق الثاني كان مهجورًا منذ زمنٍ سحيق..

الطابق الأول كان فيه الدكتور مكسيم.. التقى به في ألمانيا بعد السنة الأولى من سفره. أحضر له حقيبة مليئة بالمأكولات من صنع أمّه. وكيلو من البن مع الهال أرسلته نظيرة.. سكاكر من أم ماهر.. ورسائل كثيرة مع وردة توليب بنفسجية من لين!

اصطحبه الدكتور مكسيم إلى بلده الأم روسيا في زيارة لمدة أسبوع.. نزلا في فندق صغير في ضواحي موسكو، حتى يذهبا إلى بيت عائلة مكسيم في الصباح التالي… استيقظ ليجد نفسه في سجن سيبيريا! كان دكتور مكسيم من المافيا الروسية. لم تصدق المخابرات أن لا علاقة له بعمل الدكتور مكسيم.. عمل لسنوات في الأشغال الشاقة، ثم تم نقله لعلاج المعتقلين وبعدها تم إطلاق سراحه.. بعد أربعة وعشرين عامًا.

عاد إلى بيته مجنونًا مصابًا بأمراضٍ عديدة.. وراح أبناء إخوته وإخوته يعتنون به..

مع (تك) الطابق (0).. استوى واقفًا، نظر إلى نفسه مجددًا.. عاد شابًا، بشعره الأسود ولحيته السوداء الكثيفة التي كانت تعشقها لين. وكانت لين ما تزال خلفه.. تبتسم!

سمع صوت سيارة إسعاف إلا أنها تلاشت.. والمصعد ما زال يهبط إلى الأسفل دون توقف.. إلى الطابق اللانهائي!

مصدرًا صوت: تك.. تك.. تك.. تك…

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: Buy MYCODIUM

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق