مقالات الرأي

الإقصاء السياسي السوري


في نهاية عقد الثمانينيات، كانت سجون النظام السوري، ومنها سجن عدرا، تعج بالمعتقلين السياسيين السوريين من كافة التيارات السياسية، وبشكل رئيس من التيار اليساري المتمثل في حزب العمل الشيوعي، حزب البعث الديمقراطي، الحزب الشيوعي المكتب السياسي، الناصريين، التيار الإسلامي المتمثل بالإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، إضافة إلى شخصيات سياسية مستقلة، مثل نقابيي المحامين والمهندسين الذين عرّفوا أنفسهم كمدافعين عن الديمقراطية والليبرالية بشكل عام، من دون الالتزام بأيديولوجيا معينة أو بتوجه سياسي معين.

في أحد أيام سجن عدرا، وفي جلسة ذات طابع اجتماعي، طرح أحد هؤلاء النقابيين المستقلين (وهو معروف بعلاقاته الاجتماعية والسياسية مع المعتقلين السياسيين من أحزاب مختلفة، حيث كان ينتهي من الصلاة مع الإخوان المسلمين في المسجد، ليحضر تجمعات الشيوعيين ويتناول الشاي معهم) طرَح سؤالًا على أحد الرفاق في حزب العمل الشيوعي، من مدخل سيناريو استلام حزب العمل الشيوعي السلطة في سورية: لمن ستسمحون بالعمل السياسي تبعًا لبرنامج حزبكم ووثائقه السياسية؟ تردد الرفيق في الإجابة، وبعد إلحاح النقابي على سماع الإجابة، ولكي يتخلص من الإحراج الشخصي، قال له: “سأجيبك بناء على البرنامج السياسي للحزب، وليس بناء على وجهة نظري: يتضمن برنامج الحزب السياسي برنامجًا انتقاليًا وآخر استراتيجيًا؛ البرنامج الانتقالي يتضمن استكمال مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، من خلال إطار جبهوي أطلق الحزب عليه (الجبهة الشعبية المتحدة)، وقد تتضمن (الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي – وحزب البعث الديمقراطي والناصريين) باتجاه بناء حزب اشتراكي ثوري موحد، يعمل على البدء بتطبيق البرنامج الاستراتيجي، أي مهمات الثورة الاشتراكية”.

رد المعتقل النقابي، بلهجته الحلبية المحببة: “هذا يعني أن لا مكان لي بالعمل السياسي في سورية، في حال استلمتم السلطة، أي أنني سأبقى في السجن في عهد حافظ الأسد وفي عهدكم”، ثم تساءل: ما الفرق بين الجبهة الشعبية المتحدة والجبهة الوطنية التقدمية التي صنعها حافظ الأسد؟!

أعتقد أن هذا الحوار السياسي الحقيقي يصلح لأن يكون المدخل الرئيس لضرورة تغيير الذهنية الأيديولوجية والسياسية لمعظم التيارات السياسية السورية، بغض النظر عن أيديولوجيتها، في ما يتعلق بالعمل السياسي في سورية والتخلص من ذهنية الإقصاء مفهومًا وسلوكًا.

هذا الموضوع ينقلنا إلى تحديد مفهوم المشاركة في العمل السياسي سوسيولوجيًا، حيث هناك إجماع من أغلب السوسيولوجيين على اعتبارها العملية التي من خلالها يقوم الفرد بدور ما في الحياة السياسية المجتمعية، على أن تتاح الفرصة لكل مواطن بالمشاركة، ويكون اشتراك المواطنين في تلك الجهود على أساس الدافع الذاتي والعمل التطوعي، الذي يترجم شعور المواطنين بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية، تجاه القضايا الوطنية والاجتماعية في المجتمع.

أما المختصون بعلم السياسة فقد حددوا مفهوم المشاركة، بإعطاء الحق الديمقراطي الدستوري، لكافة المواطنين البالغين العاقلين، في الاشتراك بصورة منظمة في صنع القرارات السياسية التي تتصل بحياتهم معًا في المجتمع، وممارسة هذا الحق ممارسة فعلية بعيدًا عن عوامل الضغط والإجبار والإلزام؛ إذ يجب أن تظل في إطار ديمقراطي يتسق معه إطار الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية، في إطار الشعور بحرية الفكر، وحرية العمل السياسي وحرية التعبير عن الرأي.

المعروف أن سورية عرفت المشاركة في العمل السياسي، في العقد الأول بعد الاستقلال، إلى حد ما، ثم توقفت المشاركة السياسية في سورية على إثر انقلاب البعث 1963، وبخاصة بعد انقلاب الأسد الأب عام 1970، حيث أصبح حزب البعث الحزبَ القائد للدولة والمجتمع بقوة القانون، من خلال دستور عام 1972، في المادة الثامنة التي تتنافى مع أبسط المبادئ السياسية الديمقراطية، حيث جُرد الشعب السوري من حقوقه الإنسانية، ومنها حق المشاركة في الحياة السياسية وحق التعبير عن آرائه السياسية المستقلة عنه، واتجه السوريون الذين عارضوا سياسةَ الاحتواء والتدجين التي أبدعها النظام البعثي في صيغة الجبهة الوطنية التقدمية، إلى المعارضة السياسية السرية، وكان نصيبهم الاعتقال سنوات عديدة.

هذه المعارضة السياسية الملاحقة بالاعتقال لم تخرج من ذهنية التجارب السياسية للأحزاب الاشتراكية الثورية التي تتطلع إلى الوصول إلى السلطة، من دون الاعتراف بحق غيرها في المشاركة بالسلطة أو بالمعارضة لها فيما بعد، واستمرت هذه الذهنية السياسية إلى إن جاءت الثورة السورية عام 2011 لتكشف رواسب هذه الذهنية الإقصائية، لدى معظم الأحزاب السياسية في سورية، ومدى الحاجة الماسة إلى وجود التعددية السياسية الحزبية المتنوعة اجتماعيًا وسياسيًا، لتكوين قيم الديمقراطية والسير باتجاه بناء مجتمع تعايشي متنوع، سياسيًا واجتماعيًا، يحافظ على السلم الاجتماعي، من خلال الحكم التداولي للسلطة السياسية.

مع انطلاق الثورة السورية 2011، وانحسار هيمنة النظام على مكونات المجتمع السوري كافة، وبروز العديد من التيارات والأحزاب السياسية على الساحة السياسية السورية التي أزاحت أيديولوجياتها الإقصائية إلى حدٍ ما، مفهومًا، واتجهت إلى تبنّي برامج ذات طابع ديمقراطي تعددي؛ تجلّت ثقافة الإقصاء في مظاهر أخرى، وبالتحديد في سلوكها السياسي الممارس تجاه الغير، من خلال وضع الفيتو على بعضها البعض، في دعوات العمل السياسي المشترك، أو في الدعوات لإنجاز أجسام سياسية تحالفية جديدة.

إن حالة الاختلاف السياسي، في أي مجتمع، هي حالة طبيعية، حيث لكل فرد أو مجموعة من الأفراد أفكار سياسية خاصة بهم، تختلف قليلًا أو كثيرًا عن الأفكار السياسية للآخرين، وهذا هو أساس اختلاف التيارات والاحزاب السياسية وتعددها، في معظم المجتمعات الديمقراطية في العالم. بل إن قاعدة التفاوت والاختلاف السياسي، لا تقف عند التيارات والأحزاب السياسية، بل تصل إلى داخل التيار السياسي الواحد، وهذه حالة طبيعة أيضًا، لاختلاف بعضهم عن البعض في درجة الاعتقاد بالأفكار والمبادئ السياسية، وفي فهمها واستيعابها للأحداث السياسية اليومية.

أخيرًا، من أجل بناء مجتمع سوري سياسي متمدن، لا بدّ من الاعتراف بالآخر، مفهومًا وسلوكًا، والقبول بالتعايش السياسي معه؛ من أجل الخروج من مستنقع الكراهية الذي كُرّس بفعل ذهنية إقصاء الآخر، وعندئذ تصدق مقولة الفيلسوف الفرنسي العقلاني نيكولا مالبرانش: “أكبر عقاب لي أن أعيش وحيدًا في الجنة”.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق