هموم ثقافية

بين الأدب والنقد والضحك على اللحى

ثمة تساؤل مركب من ثلاثة رؤوس، طالما حلا لي أن أطرحه في أحايين متعددة، وهو بقدر ما يبدو ساذجًا في ظاهره، يخفي في داخله الكثير من عناصر الإرباك، وربما التعقيد، يقول التساؤل: لماذا نقول في نص ما أنه مبدع أو جميل؟ ونقول في نص آخر أنه رديء أو فاشل؟ ثم ماذا تراه يحمل الأول من مؤهلات يفتقدها الثاني؟

بغض النظر عن إمكان الجواب، يطرح هذا التساؤل، كما أرى، حقيقتين بدهيتين مترافقتين: الأولى تفترض حقيقةً أن هناك دائمًا نصوصًا مبدعة، وحقيقة أن ثمة دائمًا، هنا وهناك، نصوصًا رديئة. هذه هي البدهية الأولى. والثانية بدورها تفترض أنه حقيقة ثمة عناصر، عندما تتوفر في النص الأدبي، أي نص أدبي، فهي تميزه وترفع من مستواه، وعندما تضمحل ترديه وتحط من قدره. وهذه هي البدهية الثانية!

وبناء على هاتين المسلّمتين، يأتي الجزء الأصعب غير المسلم به: وما هي يا ترى هذه العناصر، أو تلك السمات، أو المؤهلات، التي رفعت بحضورها من شأن هذا، وحطت بغيابها من قدر ذاك؟؟

لدى الوقوف في عموميات الجواب، يمكن القول: إن كل حركة النقد الأدبي في العالم، وعبر التاريخ، إنما تدور في فلك هذا الجواب! وهي –أي حركة النقد– بقدر ما تجيب عليه في خفاء أو مواربة، تحجبه في العلن! فيبدو الأمر وكأنه لا جواب، وفي غياب الجواب بشكله الصريح يغيم النقد، وقد يغيب بدوره، كما هي الحال في سمائنا الأدبية هذا الزمان وهذا الأوان. وإذا كانت الحال كذلك، أي غياب المعايير النقدية، وقول كلمة النقد الصريحة، وبالتالي ضمور شجرة النقد؛ فهل تنفلت خيول النصوص من مرابطها، ثم تنطلق جامحة على هواها وكيف تريد؟! هل نكتب النص، أي نص، ثم نطرحه في ساحة الأدب، أو ندسه في أنوف القارئين؟

يجيب كثيرون، ليس بألسنتهم بل بنصوصهم: ولمَ لا؟ ما دام شيطان النقد نائمًا أو مخدرًا، أو ما دام يفتح عينًا ويغمض أخرى!

وفي انتظار أن يصحو النقد من غفوته، أو من سكرته، ويفتح عينيه الاثنتين، في انتظار أن تصفو سماؤه من كثير الريب، وما خلف الريب؛ سيعيش أيّ نص مبدع، جنبًا إلى جنب، مع أي نص رديء! وسوف يتحلق -بالتالي- أصحاب النصوص مع نصوصهم المشحورة، حول مائدة الأدب المستديرة. أما إن لم يصحُ هذا النقد من مواته الراهن -وهذا احتمال وارد له علاقة بموتنا نحن- فلن يكنس الزمن أحدًا قبل أحد، بل سيكنس الجميع بمكنسته الجبارة، فتتساوى قامات النصوص مرة أخرى خلف ظهر الحياة، كما تساوت قدام عينيها. وفي ذلك كله، سيكسب الرهانَ أربابُ النصوص الرديئة ثلاثة أضعاف غيرهم؛ لأنهم في الأساس عرفوا متى وكيف تُركب الظروف الواطئة، أو “تؤكل الكتف” ومناسف الثريد! وفي خضم هذا الواقع؛ لن يستطيع أحد أن يفعل شيئًا، ليس فقط لصعوبة تحديد المعايير الغائبة، بل -أيضًا- لعدم وجود الجهة التي نسلم لها بتحديد بعض هذه المعايير، وبالتالي سيختلط حابل النثر بنابل الشعر، ويزحم ضحل الإبداع بضاعة المبدعين، وستضيع الأذواق في متاهة تعدد وتضارب سويات النصوص. وكم ستتشامخ في هذا الوسط رؤوسُ كثير من النصوص الفارغة، كان الأحرى بها أن تخجل من تفاهتها! بل كم سيختلط الأمر على الكاتبين والمبدعين والذائقين، وعلى أولئك المراقبين من بعيد، المخدوعين السذج، هؤلاء الكثر الذين لا يؤخذون إلا بظواهر الأمور، بخاصة ما بدا منها على السطح، أو في صدارة الإعلام، الذي بدوره لا يستطيع -ولا إخال أنه سيستطيع في المدى المنظور- إلا أن يكون مواربًا، إن لم يكن منافقًا… وفي نهاية المطاف؛ سيساوي غيابُ حركة النقد ظهورَها، عندما لا تستطيع، أو لا تريد، أن توازي حركة الإنتاج الأدبي. بل إن غيابها هو أرحم عندما يقتصر وجودها على الكيل بمكاييل أدبية في الشكل، لأهداف غير أدبية في المضمون!

إن النقد الذي لا يجرؤ، أو لا يريد، أو لا يستطيع، أن يمد باعه إلى أعماق النصوص، ويخاطب الأدبية، أو ينتشل خطابه منها دون غيرها، سيتجه بالتأكيد إلى أغراض أخرى، طالما عانى منها الأدب قديمًا وحديثًا. وهذا اللا نقد في حد ذاته، عندما يتجه إلى اللا أدب، إنما يضحك على الأدب مرة، وعلى نفسه مرتين، وعلى لحانا ثلاثًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق