مقالات الرأي

حكاية جهادية

لا أعرف إن كانت مصادفة أن أقع على رواية مثيرة للجدل، في الوسط السعودي، بعنوان “حكاية وهابية”، فيما تتفاعل الأحداث باتجاه عملية عسكرية تستهدف “هيئة تحرير الشام”، أكبر القوى الجهادية المتبقية على الساحة السورية. لكن بعيدًا عن الجدل الذي أثارته الرواية، حول نقد ما يسمى بـ “الصحوة” وجيلها في السعودية، ما أوقفني في جنباتها هو ذلك الذي يمكن إسقاطه على حالتنا السورية، والراهنة منها في إدلب بالتحديد.

قصص شباب تحكّم في عقولهم “نقاء ديني”، بتحريض وتعبئة من رجال دين كانوا ثقاةً لديهم؛ فاندفعوا إلى ساحات “الجهاد”، بتسهيلات من أنظمة وحكومات المنطقة، ليتحولوا لاحقًا إلى ملاحَقين من قبل نفس الأنظمة والحكومات، بتهمة “إرهابيين”.. أثناء قراءتي لهذه القصص، داخل جنبات الرواية، وجدت الكثير من الشباب السوري بين هؤلاء. خاصة أولئك الذين حُشروا قصدًا، اليوم، في إدلب، بترتيبات من قبل أنظمة وحكومات، هي ذاتها التي مهّدت في وقت سابق لالتحاقهم بصفوف تنظيمات جهادية، حظيت بالكثير من الدعم والتمويل.

ليست هذه المرةَ الأولى التي يُستغل فيها “الجهاد”، كمُعطى ديني، من جانب أنظمة عربية. لتنقلب الأنظمة ذاتها لاحقًا، على “الجهاد”، وتلاحق الملتحقين به. حدث ذلك أول مرة في أفغانستان، وتكرر في الشيشان، ثم في العراق، وأخيرًا في سورية.

القصة نفسها تكررت في سورية، من دون تغييرات كثيرة، ربما باستثناء تطور القدرات الاستخباراتية، لمختلف أنظمة المنطقة، في التحكم بمآلات النشاط “الجهادي”، وإدارته بشكل دقيق، دون أي مفاجأة خارجة عن السيطرة.

تبدأ القصة حينما تلتهب ساحة ما، وتجد دول عربية، وإقليمية، مصلحةً لها في الاستثمار فيها، فتقرر سريعًا أن تخرج “الجهاد” من جعبتها؛ فينطلق علماء دين، بخطابات التعبئة والتحريض، مرفقة بنشاط إعلامي مكثف، يصوّر مآسي الضحايا من “المسلمين” في هذه الساحة، فينطلق شباب كثر، بحميّة دينية “نقية” تقودهم نحو “الجهاد”. وتتيح الأنظمة التسهيلات كافة، سواء على صعيد انتقال الأفراد إلى الساحة المستهدفة، أو على صعيد تنظيم “المجاهدين” في جماعات، ترفع جميعها الشعار ذاته، لكن كلًا منها يتبع لمموّل مختلف من دول المنطقة.

اليوم، يحمّل كثير من المراقبين والناشطين السوريين، “هيئةَ تحرير الشام”، وأمثالها، مسؤوليةَ ما قد تؤول إليه الأوضاع في إدلب. فهي تُوجد الذريعة المطلوبة روسيًا وإيرانيًا وأسديًا، لشن حرب شعواء على آخر معاقل المعارضة في البلاد. لكن، قبل بضع سنوات قليلة فقط، كان الجميع تقريبًا -باستثناء قلّة، كانت أصواتهم كالنشاذ- يحاول التعمية وتجاهل حقيقة التوجهات “الجهادية” لـ “النُصرة” و”جيش الإسلام” و”أحرار الشام”، وسواها من الجماعات التي انتظمت وفق فكر أيديولوجي محدد، لا يتناسب مع تطلعات السوريين الثائرين في ربيع العام 2011.

يتحدث الجميع اليوم عن حجم الاختراق، على مستوى قيادات تلك الجماعات. وهي قضية باتت شبه مؤكدة. لكن ينسى الجميع حقيقة وجود عشرات آلاف الشبان، السوريين والعرب، الذين التحقوا بهذه الجماعات، حينما كانت النخب تهلل لغزواتها المؤزرة على مواقع “العدو الأسدي”. تم تحريض وتعبئة عشرات آلاف الشبان، معظمهم من السوريين، كي يلتحقوا في صفوف هذه الجماعات. بعضهم دون شك، كانت تدفعه غايات مصلحية خاصة. لكن، في المقابل، هناك كثيرون أيضًا، كانت تدفعهم “حمية دينية نقية”، وكان جزء كبير من هذه الشريحة، الوقودَ المحترق في معارك الجماعات الجهادية، التي كادت في فترة من الفترات أن تقلب المعادلات في الساحة السورية تمامًا، قبل أن يتدخل الروسي بشكل مباشر، ويطلق الأميركي صفارة الختام للعبة استغلال الجهاديين، فتنصاع دول الإقليم جميعها، ويتحول الجهاديون الذين هُلل لهم، وتمت تعبئتهم، وتقديم التسهيلات لانتقالاتهم وتجمعاتهم، وتسليحهم.. إلى “إرهابيين” يجب القضاء عليهم.

وما بين رجال دين، وقادة، ربما معظمهم يتبعون لأجهزة استخبارات إقليمية، وما بين قواعد تزخر بشباب كالورد، ضاعت بوصلة “الجهاد”، وذهبت دماء آلاف القتلى، من “الجهاديين” هباءً، وسيذهب مستقبل آلاف آخرين، هباءً أيضًا.

اليوم، لا يبدو أن هناك الكثير لفعله، فهناك إرادة إقليمية – دولية واضحة، للقضاء على آخر الجماعات الجهادية في سورية. فقد انتهت اللعبة. لكن حان الوقت لنا، ناشطين ومفكرين، أن نحذّر الشباب، من لعبة قادمة، في ساحة جديدة ما، تستغل فيها أنظمة وأجهزة استخبارات، نقاءَ شباب “مؤمن”، ليكونوا وقود حروب تخدم مصالح تلك الأنظمة، تحت عنوان “الجهاد”.

كيف يمكن أن نحذر من تجربة جديدة قادمة؟ يبدو أن “الإصلاح الديني” هو العنوان. فالفكر الديني التقليدي بقي طوال قرون كالسرج الذي يستخدمه الحكام لركوب “الإيمان الشعبي” البسيط، للناس، بما يخدم غايتين: الطاعة للحاكم دون نقاش، واستغلال الدين في الحروب مع الآخرين.

الوقت بات مناسبًا، بعد المأساة السورية، لتكون ثورة على القناعات الموروثة في فهم الإسلام، التي أوصلتنا إلى أحد من نماذج ثلاثة: إما “إسلام رسمي” مدجن بما يخدم النظام، أو “إسلام شعبي” يدفع دفعًا نحو الصوفية بعيدًا من أي فاعلية في الحياة الواقعية، أو “إسلام جهادي” مخترَق ومستغل في حروب تلك الأنظمة التي تحاربه في العلن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق