تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“الترويكا” الإقليمية تُسقط جنيف

تتباين التصريحات الدولية حول المعركة المرتقبة في إدلب، آخر مواقع المعارضة العسكرية السورية، بما تتضمنه من سكانها الأصليين والمهجرين من باقي المناطق السورية ويتجاوز عددهم ما يزيد عن ثلاثة ملايين، بين تحذيرات ثلاثية أميركية وفرنسية وبريطانية من مجازر حرب جماعية فيها، ومن تخوف تركي من مزيد من النزوح إلى أراضيها، وبين محاولات كبح جماح العمل العسكري والتوجه لحلول سياسية، مفادها الأساس تجنيب المدنيين المجازر العامة، مترافقة مع إخراج القوى المتطرفة منها من بقايا فلول (داعش) فيها و (هيئة تحرير الشام)، وتبدو اللوحة إلى اليوم غامضة التكهن، وإن كانت خطواتها الأولى قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ.

فمن أستانا إلى طهران، وقبلها في أنقرة في نيسان/ أبريل الفائت، انتقلت لقاءات المحور الثلاثي “الترويكا” ممثلة بروسيا وتركيا وإيران، الأذرع الثلاث الفاعلة في المسألة السورية، على صعيد الملف العسكري وشبهة الحل السياسي فيها. حيث إن موسكو تسعى لاستبعاد أستانا بما مثلته من اتفاقات عسكرية، يشترك فيها كل من المعارضة والنظام مع الدول الثلاث، في ما أسموه “خفض التصعيد”، الاتفاقات التي أدت إلى قرض المناطق السورية، قطعة قطعة، أمام آلة الحرب العسكرية، ولم يعد من معنى لحضور النظام والمعارضة فيها، فقد أدت (أستانا) غرضها، وبات شبه محقق عسكريًا، والكل عينه على الوجود السياسي المستقر من بعدها. لتستمر اليوم المسارات الثلاثية في تحديد نقاط ارتكازها داخل سورية بقيادة روسية محكمة، وفق شروط ثلاث:

  • تفريغ محتوى القرارات الأممية المرتبطة بسورية، خاصة المتعلقة في تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات الصادرة عن وثيقة جنيف عام 2012، والاكتفاء بصيغة سوتشي المتضمنة خطوات سياسية ودستورية فقط، وبمرجعية قرار مجلس الأمن 2254، حسب ما ورد في البند الخامس من نص البيان الختامي لقمة طهران، وإعادة صياغتها وفق مرجعية روسية، تعيد صياغة الحل السوري بما يضمن استقرار وجودها العسكري فيها، بعد فرض شروطها العسكرية فيه وآخرها بالجنوب السوري، والسياسي على المستوى الدولي كراعٍ أممي لعملية السلام في سورية، وكدولة كبرى منتصرة على الإرهاب فيها، في مشابهة لما فعلته أميركا في أفغانستان والعراق سابقًا؛ فتصبح بذلك لاعبًا دوليًا أساسيًا يفرض قوانينه الجيوبوليتيكية، ويثبت حضوره الأممي مرة أخرى، كمركز في محيطه الحيوي، في محور مجابه للمحور الأطلسي.
  • الثاني البقاء على استمالة تركيا لمحورها التحالفي هذا بعيدًا عن الأميركان ومحور الناتو، حيث تبقي على مصالح تركيا المحدودة في الشمال السوري، وتجهز معها للاتفاق حول ترتيب البيت الداخلي في إدلب، الذي تشير معظم مؤشراته إلى تولي تركيا ملفها، من حيث نزع السلاح الثقيل وإخراج القوى المتطرفة فيها من دون عمل عسكري مباشر، والعمل على حكومة وحدة مصالحة وطنية، وإلا؛ فإن روسيا ستعمل على إخراجها بالقوة العسكرية، ويأتي هذا بشكل مترافق مع طرح للإدارة الأميركية بقدرتها على تحديد الأطراف المتطرفة، وضربها منفردة بأقل كلفة بشرية ممكنة، إذا ما أضفنا إليه تنسيقات الجانبين التركي والأميركي في منبج. وهذا ما سيجد قبوله لدى تركيا، إن لم تستطع هي الالتزام بذلك؛ ما يجعل الروس في حالة ترقب لصيقة للمشهد قد تضطرها إلى قبول تبادل المحاور في جنوب إدلب من دون عمل عسكري كبير في إدلب المدينة، وكل هذا يبقى سيناريوهات الغرف المغلقة، وهي التي ستظهره إلى العلن في القريب.
  • الثالثة العمل على تلافي المواجهة المباشرة مع طهران، وإرضائها بحصة داخلية في حدود المنطقة المحيطة بدمشق وفي ضاحيتها الجنوبية، وإقناعها بضرورة تحمل الضربات العسكرية الإسرائيلية على مواقعها الداخلية في سورية، من دون استفزاز عسكري مقابل، حتى لا تدخل المنطقة برمتها في أتون حرب موسعة، يكون الخاسر فيها -حسب كل المعايير- إن لم يكن العالم بأجمعه، روسيا بشكل أساسي، بعد كل مساعيها الحثيثة العسكرية والسياسية والدبلوماسية، لتثبيت وجودها على المياه الدافئة في البحر المتوسط، واستعادة مكانتها العالمية.

في المبدأ، فقد أرست القوة المفرطة الروسية قوانين إدارة المسألة السورية دوليًا وإقليميًا، على حساب الملايين من المشردين ومئات الآلاف من الشهداء والمغيبين والمعتقلين، وكأن حربًا عالمية ثالثة تشهدها مساحة لا تزيد عن 185000كم2، وأحيانًا لم تزد مساحة خط الحرب عن بضعة آلاف منها، كما هي في إدلب اليوم، حيث تكثفت فيها كل صنوف أسلحة الدمار وخطوط الاشتباك وتحديد نقاط القصف، لدرجة باتت السماء السورية نقاط تماس عالمية، أُنشئت لها غرف عمليات مشتركة إسرائيلية – روسية، وأميركية – روسية، وروسية – تركية، ومثلها على صعيد الأرض خاصة بين روسيا وكل من تركيا وإيران، وهذا في مشهد متأزم عالميًا، تتكثف على أساسه لقاءات الدول والأهم منه تنسيقاتها الأمنية. في مقابل ذلك تبدو أميركا حتى اليوم تحسب خطواتها العسكرية بدقة المراقب والمنفذ، دون خوضها عملًا عسكريًا واسعًا في سورية، كما فعلت في العراق سابقًا، وتفعل روسيا اليوم في سورية.

لتأتي بذلك مؤشرات الحل السياسي الممكنة على أرض الواقع، ولتتضح معها الصورة بشكل رئيس بأن ما من دولة من دول الترويكا ترغب في تنفيذ مقررات جنيف، بل تحاول كل من تركيا وإيران التمسك بوجودها العسكري ومن ثم السياسي داخل سورية، وهو من حيث المبدأ نقطتا خلاف واتفاق مع روسيا، وفي كلتا الحالتين من مصلحة روسيا ألا تكون جنيف مرجعية للحل السوري؛ لأنها ستُفضي -على أقل تقدير- إلى إلغاء الاتفاقات التي وقعها النظام السوري منذ العام 2011، وستكون نواة لعمل وطني سوري مستقل عن التدخلات الخارجية؛ في المقابل روسيا تسعى جاهدة لأن تجعل وجودها داخل سورية ذا صفة دولية، تشبه تلك التي فعلتها أميركا في حروب البلقان وأفغانستان والعراق، بمرجعية أممية، بينما كان تدخّل روسيا في سورية دون ذلك، وعليه تسعى اليوم بكل الطرق الملتوية، من خلف الكواليس، لتثبيت حضور شكلي لاسم جنيف، واستبداله بسوتشي، متمسكة بمضمون القرار الأممي الصادر عن مجلس الأمن 2254 القاضي بتشكيل حكومة مصالحة وطنية انتقالية ليس إلا.

ما من أحد اليوم إلا يحبس أنفاسه بطرق عدة، منها التخوف من غمار حرب طاحنة تتمدد إقليميًا ودوليًا، ومنها أوهام النصر المطلق في كل سورية حسب روايات النظام، ومنها خشية الانزلاق لما بعد أستانا لزمن طويل دون نتيجة، وما مسألة تجميد العمليات العسكرية بالطريقة الروسية هذه سوى خطوة من خطوات تثبيت رؤيتها السياسية البعيدة المدى، ليبقى أهل أدلب الوحيدين في مضمار وعين كل المسارات وتغيير مضاربها، يخرجون في تظاهرات متكررة مستبعدين كل ألوان الرايات الدخيلة على المشهد السوري، متمسكين بثوابتهم السلمية والحياة الكريمة دون استبداد وتهجير وتغول عسكري، دون التطرف وقوى الإرهاب، في زمن تطحن فيه آلة الحرب الحجر قبل البشر، في موقف يعلن التمسك بالحياة ونزعة الحرية، ولسان حالهم يردد: لتكن تركيا شريكًا سياسيًا، ولتأتي بعدها أي صيغة للحل السياسي المزمع، فلا جنيف ولا أستانا من بعدها استطاع ضمان بقاء السوريين في ديارهم، وهم ليسوا على استعداد لهجرة أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق