هموم ثقافية

جائزة الطيب صالح

أبهجتني مجموعة قصصيّة لشابّ مرَّتين؛ لأني لمستُ فيها موهبة وأصالة وتمكُّنًا من هذا الفنّ الصعب، لكأنها لكاتب متمرّس في فن القصّة؛ ولكونها فازت بالجائزة الأولى، بعد اشتراكها في مسابقة للقصّة.

لكنَّ فرحتي -للأسف- لم تدم طويلًا؛ إذ حين أطلعني الشّابُّ -بعد أكثر من عام- على مخطوط مجموعته الثانية، فوجئتُ بإهماله الغريب للتكثيف والاقتصاد في الشريط اللغوي، وعدم الحرص على قوام اللقطة، عبر التزيُّد والاستطالات المحشورة -على عكس مجموعته الأولى- مما جعلني أظنُّ أن العلَّة في غرورٍ أصابه وأودى به إلى التسرّع وعدم بذله الجهد الضروري.

في لقائنا للحديث عن المجموعة الثانية، سارعتُ إلى عرض ملاحظتي وسؤاله عن سبب الترهّل والتزيُّد والحشو، وهو الذي كان شديد الانتباه والحرص على التكثيف في مجموعته الأولى! ففاجأني بأنّه تعمَّد ذلك، وأنه اضطر إلى “الشطّ والمطّ” في القصص، لتستوفي شرطَ عدد الكلمات المؤهّلة لتقديم العمل إلى جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي. وهذا ما يُقلقه ويدفعه إلى العدول عن المشاركة بالقصص في حالها الراهن. أمّا الشرطُ المُعلن للمشاركة فنصَّ على: “أن يتراوح عدد كلمات المجموعة القصصيّة بين 25 ألف كلمة و35 ألف كلمة. وأن تكون المشاركة بمجموعة لا تقلُّ عن 10 نصوص، ولا تزيد على 15 نصًّا”.

صاحبي القاص الشّاب ضمَّت مجموعته الثانية المُراد تقديمها إلى المسابقة اثنتي عشرة قصة. معنى هذا أن القصّة الواحدة لديه لا يجوز أن تقلّ عن نحو 2100 كلمة (أي ما يزيد على أربعة أضعاف عدد كلمات هذا المقال) الأمر الذي يضطره إمّا إلى زيادة عدد القصص، أو زيادة كلمات كلّ قصة، وفي الحالين، هو تزيُّد وتدبُّر مصطنع ومُشوّه.

ولكنْ، كيف صار للجنة الإداريّة أن تشترط عدد الكلمات في جائزة مُخصًّصة للإبداع الكتابي؟ فإذا كان بالإمكان -بل الضروري- تحديد طول وعرض الشوارع والجسور والأنفاق، أو كان يمكن -على نحو ما- تحديد عدد الكلمات في الدراسات والأبحاث البيئيّة والنقديّة؛ فإن هذا لا ينسحب -ولا يجوز أن ينسحب- على الأجناس الأدبيّة المعروفة، القصة القصيرة على الأخصّ. والطريف حقًا في أمر الاشتراط المذكور، أنه يشذّ حتى عن امتحانات المدارس الإعدادية التي تطلب الأقلّ: “اشرح بما لا يزيد على..” وليس الأكثر “بما لا يقلّ عن..”.

والعجيب في مغالاة الحدّ الأدنى لعدد الكلمات المُحدّدة في المسابقة (2500 كلمة) أن كلمات الكثير من نصوص كبار كتَّاب القصة القصيرة العرب، لا تصل إلى هذا الرقم، سواء لدى سميرة عزَّام، أو غسان كنفاني، أو زكريا تامر، أو غيرهم. بل إن لدى يوسف إدريس قصة جميلة ومؤثّرة، بعنوان (نظرة)، لا يتجاوز عدد كلماتها 350 كلمة. ولعلَّ الأشدّ عجبًا من كلّ ما سبق، أن الكاتب نفسه الذي تحمل الجائزة اسمه تكريمًا لأدبه ودوره في الحياة الثقافية العربية: الطّيب صالح، لا تتجاوز كلمات قصّته مقدار ألف كلمة، بل العديد من قصصه أقلّ من ذلك! فبمَنْ اقتدت لجنة الجائزة من كتَّاب القصة القصيرة العرب، حتى خطر لها توريط صاحبنا الشَّاب -وتوريط غيره الكثير- في مأزق التطويل المنفّر والممل والمُخرّب للموهبة؟

هل مِن حاجة إلى القول إن الإبداع في الأدب لا علاقة له بالأطوال والأعداد، وإلا كيف سُمّي إبداعًا، إنْ لم يكن ابتكارًا وتجديدًا وخلقًا؟ وإنْ كان له من علاقةٍ، فالبلاغة الإيجاز. الإيجاز والتكثيف والتقطير والحذف، سواء في الرواية أو المسرح أو الشعر، فكيف إزاء معمار القصّة القصيرة، الناهض -أساسًا- على هذا؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق