تحقيقات وتقارير سياسية

يوبيل أيلول.. الحصاد المُر من الفلسطيني إلى السوري

مرّ ربع قرن منذ توقيع اتفاق أوسلو الشهير، في الثالث عشر من أيلول/ سبتمبر 1993، بين “إسرائيل” ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتوضحت فواصل وتخوم وركائز الخديعة والمأساة التي سارت عليها عملية التسوية، بما يكفي لإعادة قراءة الواقع والوقائع بهدوء، فمنذ بداية تسعينيات القرن لماضي، طرأت مستجدات دولية غيّرت وجه النظام الدولي والمنطقة العربية، وصولًا إلى أوسلو الفلسطيني، حتى أيلول/ سبتمبر الأميركي، ومع الإعلان عن نهاية حقبة من الصراع في أيلول/ سبتمبر الفلسطيني قبل ربع قرن، لم تترك “إسرائيل” وأميركا فرصة من أجل فرض الهيمنة إلا انتهزتها، من خلال الاستثمار في الطغيان والاستبداد والاحتلال.

تعود المنطقة العربية، بعد ثمانية أعوام على وقع الثورات والربيع العربي، لتحتل مكانة متقدمة في اهتمامات الأقطاب الإقليمية والدولية لمنافسة ومزاحمة المستثمرين الأوائل، “إسرائيل” وأميركا، للتحكم في مصير المنطقة، ولتنضم إيران وروسيا كدولتي احتلال مباشر للمنطقة العربية، في لبنان وسورية واليمن والعراق، وخلافًا لاستراتيجيات أقطاب الاحتلال والإمبريالية الأوائل، تتجلى المرحلة التنافسية بين موسكو وواشنطن، وبين طهران وتل أبيب، على احتكار موطئ أعلى بالفاشية والدمار.

منذ التوقيع على اتفاق أوسلو في أيلول/ سبتمبر، صعدت نبرة التنافس الإيراني على دحره، لكنه “أزهر” بعد ربع قرن في عواصم عربية عدة، ذروة التزاحم كانت في إجهاض أحلام السوريين وقيادة الثورات المضادة لإجهاض كل مقاومة لأيلول/ سبتمبر الفلسطيني، وآذار/ مارس السوري، وإذا كانت موسكو تتصرف في سورية، لإعادة تنصيب نفسها كقطب ثاني في العالم على جثث السوريين، فإن أطرافًا أو أقطابًا أخرى، مثل طهران وميليشياتها وعصاباتها التي لا تقر بها، وأجندات أنقرة وواشنطن وباريس وبريطانيا، وكل المجتمع الدولي، غير مهيأة بعد للوقوف بوجه السفاحين ورفع أيديهم عن المذبحة، وإن فكرة انقياد المجتمعات مجددًا، وراء بروباغندا خلّفت خذلانًا كبيرًا، أمرٌ غاية في الصعوبة، على الأقل المجتمعات التي كانت فاتورة التضحية فيها عالية وباهظة مثل سورية.

بعد ربع قرن على أيلول/ سبتمبر الفلسطيني، يتخلى الأميركي “ضامن” أوسلو عنه، لإعادة صوغ ترتيبات إقليمية، والتساؤل الأبرز الذي يطرق الرؤوس طرقًا في يوبيل حصادنا المر، يدور حول أهداف المشاريع المتمخضة عن اتفاقات أو مفاوضات كتلك؟ للإجابة، لا بدّ من إدراك وتلمّس معاني ومدلولات السياق التاريخي الذي فرض نفسه، وتحكّم في سيرورة ونتائج مشروع أوسلو الفلسطيني!

بصرف النظر، مؤقتًا، عن تاريخ الصراع مع المتزاحمين الأوائل بما يخص فلسطين، سواء بالمرحلة الأولى منتصف القرن الماضي، أو المرحلة الثانية التي كانت ذروتها أوسلو وطورها الأول، لخلق عقل عربي قانع بالهزيمة، لديه قبول أبدي بالمحتل والطاغية كقدر لا مفر منه؛ فإن الصراع في الطور الثاني مع بداية الربيع العربي نسف هذه الركائز، وحفّز المتنافسين الآخرين على سد الثغرات في جدار الطغاة والمحتلين. موسكو وطهران في سورية عنوان صارخ للتنافس ضد مشروع استثنائهم من قطبية التوحش ونهش الإقليم، في وقت يشعرون فيه أن علاقتهم “التاريخية” بالمنطقة تمنحهم أولوية على باقي المتنافسين، وبكل الأحوال، المشروعان الروسي والأميركي وتوابعهما، من الإيراني إلى الإسرائيلي أو الغربي، يتقاطعان حول نقطتين مهمتين:

الأولى: إجهاض المشروع الوطني الفلسطيني، وإرساء شبكة من المفاهيم التي سادت بعد أوسلو، من شعار “اتركونا بدنا نعيش”، إلى “الرتبة والراتب”، إلى “الحياة مفاوضات”، إلى ضرب المفاهيم والأسس البديهية المكونة للقضية الفلسطينية، وبناء منظومة اقتصادية أمنية، وظيفتها إعادة فك وتركيب المجتمع وفق ما تقتضيه أوسلو حسب بطاقة تعريفها.

الثانية: هي محور النقطة الأولى التي تقوم على نطاق الانشغال بالهموم المستجدة جراء الثورات والربيع العربي. وقد كانت وستبقى ثورة السوريين كاشفة مبكرًا لحالة النفاق، وأسقطت الشعارات الكبرى المتعلقة بفلسطين التي حملها الطغاة، وعلى رأسهم الأسد الأب والابن، وبما أن توازن المصالح بين المتنافسين يتطلب جهدًا لتحقيق المصالح، فقد كانت جرائم الأسد الابن صكوكَ غفران وجسورًا تعبر منها مشاريع التنافس بين المحتلين على الأرض في سورية، وبين العدو المحتل والمقيم منذ خمسة عقود في الجولان.

يبقى القول إن منافسة موسكو وطهران، لـ “إسرائيل” وأميركا، في سورية، ليس لإرباك المشروع الإسرائيلي أو الأميركي، بل لتثبيت أقدام المحتل بساق الطاغية الأسد ويده الباطشة التي أزهقت أرواح مليون سوري، وتلك هي قوة حصادنا ليوبيل المرارة، في الطور الثاني من هزائمنا في سورية وفلسطين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: read the article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق