سلايدرقضايا المجتمع

ضَبع دمشق!

يهمز ويلمز كثير من مثقفي السلطة الأسدية، في أحاديثهم وكتاباتهم عن الرئيس التركي أردوغان، باللقب الذي أطلقه عليه بعض المتعاطفين معه من مظلومي المنطقة من المسلمين، بأنّه “أسد السنّة”. أردوغان الرئيس المنتخب شرعيًا من أغلبية الشعب التركي الذي لم يقل له تركي يومًا: يا سيادة الرئيس أنت قليل عليك حكم تركية بل يجب أن تحكم العالم كله! ولم نسمع من تركي متحمس وهو يدلي بصوته لأردوغان وحزبه: أردوغان أو نحرق البلدان! أردوغان الذي لم تقل له المؤسسة العسكرية وجنودها الأتراك: أردوغان أو لا سلطان!

في الحقيقة، ليس كُتّاب السلطة السيسية أو السلطة الأسدية هم من يسخرون من ديمقراطية تركيا، بل كثير من كتّاب يحسبون أنفسهم في خندق الشعوب العربية، ومطالب التغيير الديمقراطي في المشرق العربي!

دفعني إلى كتابة هذه المقارنة التفاف جمع كبير من مشايخ السنّة حول الأسد، في صلاة العيد الماضي، من ذوي العمائم التي يُصرّ جمهور الثورة في سورية على نعتها بالنفاق، ونحن هنا أمام ظاهرة تحتاج إلى غوص عميق في محاولة لفهمها وأبعادها وخطرها الاجتماعي والسياسي.

استثنائية السلطة الأسدية، واستثناء بعض مظاهرها وتجلياتها وتفرداتها وجرائمها، بحيث يصعب مقارنتها ومقاربتها بسلطة ديكتاتورية أخرى في التاريخ، تجعل الباحث عاجزًا عن تفكيك هذه السلطة وفق أدوات البحث الغربية، وذلك يرجع لأسباب منها؛ تداخل الطائفي الباطني بالسياسي، وعدم وجود أي منظومة أيديولوجية موجهة وضابطة لسلوك النظام، وانعدام أي شعور بالانتماء إلى الجغرافية التي تحكمها، وغياب الحدود الأخلاقية التي يمكن معها القول: إلى هنا وحسب، وليس إلى هذه الدرجة (أزعم أنّ كلمة إلى هنا وحسب، هي التي دفع آصف شوكت حياته ثمنًا لها، وهو يرى آل الأسد سيحرقون سورية، من أجل الأسد الصغير!) أي أنّه نظام مغامرة حتى لو كان ثمن رحيله أو بقائه في السلطة فناء شعبه من البحر إلى النهر.

هذا الاستثناء السلطوي الأسدي عبر التاريخ يدفعنا إلى فهم “نفاق” مشايخ دمشق، وهذا الاستثناء الأسدي هو الذي جعل الاتجاه العنيد والمتصلب لرحيل آل الأسد عن السلطة اليوم يرضى بالتوريث الأسدي على مبدأ: عسى ولعل وربما (الإصلاح كان الخيار الوحيد في ظروف دولية باركت فيه القوى الكبرى التوريث)، لأنّ هذا الاتجاه الديمقراطي العلماني أساسًا كان يرى الخيارات الجهنمية الأخرى وغير المتاحة أصلًا، ويدرك عقدة الأسد الأب في جعل الدولة رهينة لأسرته، فإذا ما فكر السوريون برحيل العائلة؛ فإن هذا يعني رحيل سورية معهم!

النفاق لغةً: إظهار خلاف ما في الباطن، أو هو إضمار معتقد وإظهار ما يوحي بخلافه، والنفاق شرعًا: أن يُظهر الرجل إيمانه ويبطن كفره.

هذا المعنى يقودنا إلى علمي النفس والمجتمع والفلسفة السياسية معًا، حيث إن المنافق، فضلًا عن كونه يعيش حالة غير صحيحة نفسيًا (لأن من يبطن عكس ما يُظهر هو إنسان غير سوي، في مقاييس الصحة النفسية) يدلّ كذلك على حالة غير صحيحة وسليمة للمجتمع الذي يعيش فيه، والفلسفة السياسية التي تحكم هذا المجتمع هي كذلك في معرض المساءلة والنقد، إذ إنها تجعل مواطنيها يُظهرون غير ما يبطنون، وهنا يبدو سؤال الحرية في وجهنا جميعًا.

إذن، نفاق مشايخ الشام القابعين تحت سلطة الأسد يدعونا إلى فهم الواقع النفسي والاجتماعي والسياسي الذي يجعل هؤلاء يبدون منافقين، في التوصيف الديني والثوري كذلك، في واقع سلطوي استثنائي، كما تحدثنا.

(معظم مشايخ دمشق اليوم الذين يبدون كموالين للأسد، كان الشيخ البوطي الذي اغتيل محط احترام لديهم، والشيخ الرفاعي الذي هوجم مسجده وضرب الشبيحة رأسه، وهرب لاحقًا إلى تركيا، كان أيضًا مرجعية محترمة لكل مشايخ دمشق) ويقول المثل الشامي: (اللي محروق من الحليب بينفخ على اللبن).

وقائع رمزية تساعد في فهم ما يصنع الخوف الاستثنائي، من نظام استثنائي، في نفوس شعبه.

النفاق ظاهرة تُحاكم أي نظام سياسي قائم، سواء أكان نظامًا يطرح شعارات تقدمية أم نظامًا قائمًا على أفكار رجعية، ونفاق مشايخ الشام والتفافهم حول هالة الأسد في المساجد لا ينفصل عن سكوت مشايخ العلويين، وآباء الكنيسة الأرثوذوكسية في سورية، فالأخيرون غير مضطرين إلى هذا النفاق أصلًا؛ فقد استطاع الأسد ضَبع السنّة، فمن فعل ما فعل بشعبه عمومًا، والسنّة خصوصًا، منذ الثمانينيات حتى اليوم، لا يمكنك إلاّ أن تخافه وتهابه وتنافق له، لتحافظ على وجودك الفيزيائي في هذه الحياة، أو أن تختار المواجهة وتكون أمام مصير استثنائي كهذا النظام.

وعلى ذلك؛ لا يحتاج الآخر، من رجال الدين العلوي والشيعي، إلى هذه الحالة النفاقية التي يعيشها شعب مهدد بالتهجير والإبادة والقتل تحت التعذيب. غير أن سكوت مشايخ الديانة العلوية أخطر ألف مرة من نفاق مشايخ السنة إذ ينافقون، فهؤلاء قد ضَبعهم الأسد، بعد أن رأوا دماء إخوانهم على مخالبه وأنيابه، وأولئك قد ضبعهم الأسد بوهم أثيم. وهذا يعني أن تحرير السنّة من الخوف هو طريق تحررهم من النفاق، وتحرير العلويين من وهم الأسدية التي لا تغلب هو طريق تحررهم من التعلق الأمومي مع الأسدية الخالدة التي لا تُغلب.

بالتأكيد، إن نفاق السنّة للأسد أمرٌ سيئ، ولكنه يحمل دلالة على إخفاق السوريين في طريقهم نحو الحرية؛ ما يعني أنّ الحرية هي، دائمًا وأبدًا، قدرُنا للتحرر من مآسينا، وسبيلنا للخلاص من أمراضنا ومن عُقدنا، ولا حرية للموالين قبل المعارضين، ولا للعلويين قبل السنّيين، ما دام هناك وهم كبير يبدو فيه الأسد حيوانًا سياسيًا يحمي العلويين، وحقيقة كبرى يبدو فيها الأسد ضبعًا تفتك أنيابه بأجساد السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق