ترجمات

ما لا يمكن الدفاع عنه: إدلب واليسار

يوم السبت 8 أيلول/ سبتمبر، كثّف النظام والروس من الغارات الجوية على إدلب، في ما يبدو أنه تمهيد للحملة التي طال انتظارها لاستعادة السيطرة على المحافظة.

قبل يوم واحد فقط، خرج آلاف الرجال والنساء والأطفال السوريين إلى الشوارع، في أكثر من 120 مدينة وبلدة عبر المناطق المحررة المتبقية تحت شعار “المقاومة خيارنا”.

كانوا يتظاهرون من أجل حياتهم. تضم إدلب الآن ثلاثة ملايين شخص، ثلثهم من الأطفال. وأكثر من نصفهم من النازحين، أو الذين تم تهجيرهم قسرًا، إلى المحافظة من أماكن أخرى. خياراتهم للهروب من الهجوم محدودة. الحدود مغلقة ولا توجد مناطق آمنة. لا يريدون أن يتم تهجيرهم قسرًا ثانية من منازلهم. وفي التظاهرات، رفع العديد منهم لافتاتٍ ترفض الدعوات الأخيرة لـ ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة، لإجلاء المدنيين إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث يمكن أن يختفوا في غرف التعذيب أو يواجهون التجنيد الإجباري، كما حدث مع آخرين من قبلهم. “المصالحة” في السياق السوري تعني العودة إلى الاستعباد والإذلال والاستبداد.

من خلال اللافتات والهتافات، كان الهدف من التظاهرات واضحًا: منع أي هجوم من النظام وداعميه، ليبينوا للعالم أن هناك مدنيين في إدلب تتعرض حياتهم الآن للتهديد، وأن يؤكدوا أنهم مستمرون في رفض حكم الأسد. دوّى شعار الشعب يريد إسقاط النظام عبر الحشود، وهو ما يذكرنا بالأيام الأولى للانتفاضة. لم يحتجوا ضد الفاشية المحلية، بل ضد الإمبريالية الأجنبية أيضًا، مثل روسيا وإيران اللتين دعمتا الدكتاتور في حملته للقضاء على المعارضة الداخلية.

لكن مرة أخرى تم تجاهل دعوات المتظاهرين السوريين المناهضين للحرب إلى حد كبير من قبل اليسار الغربي المناهض للحرب. بدلًا من الدعوة إلى إنهاء القصف أو دعم ضحايا الحرب، اختار الكثيرون أن يتقبل سردية “الحرب على الإرهاب” التي يقوم بها النظام، وهي تروّج أن الهدف من الهجوم هو القضاء على الجهاديين المتشددين. مثل هذه الأوهام لا بد أنها انهارت يوم السبت. تم استهداف مشفى شام في قرية حاس، جنوب إدلب، بواسطة البراميل المتفجرة والصواريخ، وأخرجته من الخدمة. كان المشفى يقع تحت الأرض، في كهف، في محاولة غير مجدية بالكامل لحمايته من القصف الجوي. ووفقًا لاتحاد الرعاية الطبية ومنظمات الإغاثة، فقد تعرضت ثلاثة مشافي ومركزان للدفاع المدني ومركز إسعاف للهجوم يومي 6 و7 أيلول/ سبتمبر في إدلب وشمال حماة، مما ترك الآلاف من دون الحصول على الرعاية الطبية.

الجماعات المتطرفة لها وجود في إدلب، البعض منها أرسله النظام نفسه، بعد إجلائهم من مكان آخر. وتسيطر هيئة تحرير الشام (هتش) التي لها صلات سابقة بتنظيم القاعدة على جزء كبير من المحافظة بمقاتليها العشرة آلاف. ومع ذلك، وبعيدًا عن كون (هتش) معقل القاعدة، لم تنجح في كسب التأييد من جانب الكثير من السكان الذين قاوموا باستمرار وجود الجماعة وأيديولوجيتها المتشددة. في احتجاجات يوم الجمعة الماضية في مدينة إدلب، أطلقت قوات (هتش) النار لتفريق التظاهرة. وسرعان ما هاجم المتظاهرون المسلحين منادين إياهم بالشبيحة (وهي إهانة كانت في السابق حكرًا على بلطجية النظام)، وهم يهتفون: “فليخرج الجولاني [الجولاني لبرا]”، في إشارة إلى زعيم الجماعة.

يزعم كثيرون من “اليساريين” أنه من أصل ثلاثة ملايين فرد، لم يعد هناك “أشخاص صالحون يساريون” لدعمهم. أو أعتقد أن وجود بضعة آلاف من المتطرفين هو مبرر كافٍ لمحو إدلب وتسويتها مع الأرض ومعاقبة سكانها بشكل جماعي. الأغلبية غير المرئية من السوريين الذين لا يستخدمون السلاح للتمتع بالسلطة يُنظر إليها بكونها غير مناسبة/ لائقة. اختاروا تجاهل أولئك الذين قاوموا جميع أشكال التسلط، وهم ملتزمون بخلق مستقبل أفضل لأسرهم ومجتمعاتهم والمجتمع ككل. يقدمون ثنائية مبسّطة بشكل غريب، حيث يكون الخيار بين الأسد والقاعدة، كما لو كان الصراع والنضال الاجتماعي المتأصِّل هو مباراة كرة قدم بين الجانبين. الجانب الذي يساندونه هو نظام فاشي -لأنه على الأقل “علماني”- نظام يقتل الأطفال حتى الموت وهم نيام، ويدير معسكرات الموت التي يتعرض فيها المعارضون للتعذيب حتى الموت، وتتهمه الأمم المتحدة بارتكاب “جريمة الإبادة” فيها. يتم تصنيف أي شخص يقاوم العودة إلى تحت سيطرة النظام كعدو وهدف شرعي للهجوم. الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، إنها أهداف يجب أن يتطلع إليها الغربيون فقط، أما البقية يجب أن تصمت وتطيع.

نتيجة لنظرة العالم الشريرة والعنصرية هذه، كل شخص إما عضو في القاعدة أو متعاطف معها. إن حقيقة أن هناك نساء في هذه المجتمعات الريفية المحافظة لا ترتدين مثلهن، أو يضطررن إلى التغلب بشجاعة على العديد من العقبات والتهديدات لسلامتهن، من أجل المشاركة في المجال العام (كما حدث في احتجاجات يوم الجمعة الماضية)، قُدّمت كدليل على الميول الإرهابية، وهي مبررٌ في حد ذاته لإبادتهن. بدلًا من التضامن مع النساء الشجاعات في إدلب اللواتي يقمن بمقاومة كلٍ من النظام والجماعات المسلحة المتطرفة الأخرى، والقتال من أجل التغلب على الأعراف الاجتماعية التقليدية والذكورية المتجذرة، فإنهم يفضلون دعم دولة ترسل الميليشيات لتنفيذ حملات الاغتصاب الجماعي بين المجتمعات المعارضة، حيث يدخلون الجرذان في فُروج/ أحشاء المعتقلات. لقد كان إذلال السوريين وتجريدهم من الإنسانية أمرًا بالغًا، لدرجة أن كثيرين يكافحون ليبرهنوا بأنه وسط الفوضى وأمراء الحرب قد يوجد في الواقع بشر عاديون يستحقون الدعم، أناسٌ مثلنا “نحن”.

من الصعب فهمُ كيف يمكن تجاهل حملات القصف المدمرة التي تقوم بها الحكومة السورية وروسيا على المناطق السكنية المكتظة بالسكان، والتي أودت بحياة مئات الآلاف، من قبل أي شخص يدّعي أنه “مناهض للحرب”. يبدو أنه ليس هناك أهمية لحياة السوريين إلا إذا دمرتها القنابل الغربية. غالبًا ما يُستخدم “العداء للإمبريالية” اليوم، كغطاء لدعم الأنظمة الاستبدادية، من قبل أشخاص يتمتعون بالامتيازات الكافية لعدم تجربة حياة شبيهة بالحياة في ظل الأنظمة الاستبدادية تلك. من دون رضى عن تجاهل جرائم الحرب والفظائع الجماعية الأخرى، فقد بُذلت محاولات لإعفاء الجناة من المسؤولية ونكران حدوث تلك الفظائع. تُروّج نظريات المؤامرة، التي تبتكرها في الغالب وسائل الإعلام الروسية أو وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة، حول الهجوم الكيمياوي “رايات مزيفة” لتبييض جرائم النظام وتبرير استهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. لقد أصبحت سورية موضوع حوار لتسجيل نقاط سياسية من دون اهتمام بالخطر على الحياة الواقعية من مثل هذه الاتهامات الباطلة التي تطال الناس، أو الألم العميق والإهانة التي تحدث للضحايا.

في كتابها الأخير، ما لا يمكن الدفاع عنه: الديمقراطية، والثورة المضادة، وخطاب مناهضة الإمبريالية، تسأل روهيني هينسمان: “كيف استُخدم خطاب معاداة الإمبريالية لدعم الثورات المضادة للديمقراطية في جميع أنحاء العالم؟”، وتؤكد أن هناك ثلاثة أنواع من “مناهضة الإمبريالية الزائفة”. الأول هم أولئك الذين يعتقدون أن “الغرب يجب أن يكون المستبد الوحيد في جميع الحالات”، “مركزية غربية تجعلهم غير مدركين لحقيقة أن الناس في أجزاء أخرى من العالم لديهم إرادة أيضًا، وأنهم يمكنهم ممارستها لقمع الآخرين ومحاربة الظلم”. تتألف الفئة الثانية من “الستالينيين الجدد” الذين “سيدعمون أي نظام تدعمه روسيا، بغض النظر عن مدى كونه يمينيًا”. الثالث “يتكون من الطغاة والإمبرياليين، ومرتكبي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية والعدوان، والذين، بمجرد أن يواجهوا موجة من النقد من الغرب، يدّعون على الفور أنهم يتعرضون للانتقاد لأنهم مناهضون للإمبريالية..

دعمًا لحجتها/ منطقها، تُقدم هينسمان نظرة مفصلة عن معاداة الإمبريالية الحقيقية، في مقابل “معاداة الإمبريالية الزائفة”، من خلال دراسات الحالة من روسيا وأوكرانيا والبوسنة وكوسوفو وإيران والعراق وسورية. إنها تُظهر كيف أن “اليساريين” المزعومين دعموا الأنظمة الاستبدادية مرارًا وتكرارًا، ضد نضالات الشعوب الديمقراطية، ونشروا التعصب ضد المسلمين، وأقاموا تحالفات تكتيكية مع الفاشيين، ونشروا نظريات المؤامرة ودعاية/ بروباغاندا الكرملين/ الدولة، وانخرطوا في أعمال الإبادة الجماعية أو إنكار الفظائع وإلقاء اللوم على الضحية. كتابها هو تذكير في الوقت المناسب بأن الروايات التي تُنشَر حول سورية، والتي يردد فيها أقصى اليسار أفكار اليمين المتطرف ويفضّل المصالح الجيوبوليتيكية (الجغرافيا السياسية) على نضالات الناس وحياتهم، هي رمزٌ لضيقٍ أوسع.

في الوقت الذي تُمطر فيه القنابل على إدلب، يتوقع عدد قليل من السوريين أن يروا احتجاجات جماهيرية في جميع أنحاء العالم دعمًا لقضيتهم أو دفاعًا عن حياتهم. لقد تخلى أولئك الذين يدّعون سياسة “الأممية” عنهم وتراجعوا إلى الانعزالية، أو الأسوأ من ذلك، باتجاه الدفاع عن الفاشية. من دون معالجة هذه القضايا، يبدو احتمال بناء حركة دولية مناهضة للاستبداد، والإمبريالية، والحرب والرأسمالية أمرًا غير محتمل. في هذه الأثناء، يمكننا أن نتوقع الفظائع التي دفعت العالم إلى إعلان “لن تتكرر مجددًا”، تتكرر مرارًا وتكرارًا.

اسم المقالة الأصلي Indefensible: Idlib and the left
الكاتب ليلى الشامي، Leila Al-Shami
مكان النشر وتاريخه فريدوم، FREEDOM، 12/9
رابط المقالة https://freedomnews.org.uk/indefensible-idlib-and-the-left/
عدد الكلمات 1229
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق