مقالات الرأي

مَن الذي تجاهل وسهّل وهيّأ.. لصالح من يعمل بوتين؟

“التفكير خارج الصندوق” تُعدّ هذه القاعدة ذهبية، للخروج من دائرة الكلام المعاد والمكرور حول حدثٍ ما، لاكتشاف نظرة جديدة وفهم آخر له، خارج ما يروج له الإعلام والسياسيون، واذا طبقنا هذه القاعدة على ما تقوم به الولايات المتحدة وأوروبا، من تحميل الرئيس الروسي بوتين وزرَ ما يحصل في العالم من نكبات في السنوات الأخيرة؛ فإننا سنرى -كما أعتقد- أن ما يفعله الرجل ما كان ليحصل لولا أن هناك من يتجاهل عن علم، ومن يسهّل بمكر، ومن يدعم بخفاء. فبوتين بالنهاية غير قادر على استعداء العالم وحده، ويخبرنا التاريخ أن المتورطين في الأحداث الكبرى أنواع، الظاهر منهم هو من قام بالحدث، والأخطر بينهم هو من تحكم في خيوط اللعبة بالخفاء.

لا يكاد يمرّ حدث مهم في عالم اليوم من دون أن تظهر اتهامات للكرملين بالضلوع فيه بطريقة أو بأخرى، كأن هوسًا جديدًا أصاب العالم اسمه بوتين، الذي قلّما تخلو نشرة أخبار من ذكره، من سورية إلى إفريقيا إلى أوروبا وصولًا إلى البيت الأبيض.

بالرغم من جدية معظم الاتهامات للكرملين ووجاهتها، فإن السؤال عن مسؤوليته الحصرية، عن كل هذه الفوضى، يصبح ضروريًا مع تحول العالم أكثر نحو الاكتفاء بإطلاق الاتهامات والتراشق الكلامي، كما رأينا عدة مرات في مجلس الأمن، ليقول إنه قام بما يجب.

في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من صعود اليمين الشعبوي المتطرف، ظهرت المقالات التي تحلل أسباب هذا الصعود، ملقِية باللائمة على الظروف التي رافقت تدفق اللاجئين على أوروبا، لا سيما السوريين، وعلى تأييد بوتين لأحزاب اليمين، وتذهب دوائر الاستخبارات الأوروبية إلى تأييد هذا الطرح، بل إلى اتهام روسيا بتشجيع النظام على تهجير السوريين الذين سيتجهون بشكل طبيعي إلى أوروبا.

يغيب عن هذه الاتهامات، والمواقف السياسية الأوروبية المؤيدة لها، طرح سؤال عمّا فعلته أوروبا لوقف تهجير السوريين، أو توجيه اللوم إلى واشنطن التي مانعت بكل الطرق إقامة منطقة حظر جوي في سورية، كانت كفيلة بوقف خروج السوريين من بلدهم، عبر خلق مناطق آمنة لهم، وهنا أيضًا يغيب السؤال عن مصلحة أميركية حقيقية في إضعاف الاتحاد الأوروبي، وهل أفضل من صعود اليمين الشعبوي لفكفكة الاتحاد، وعودة الروح القومية الانعزالية، خدمة لمصالح أميركا في إزاحة هذا التكتل المنافس.

اعتمد بوتين القوة في تحقيق مآربه، ويمكن القول إن الشيشان مثلت لبوتين مغامرته الأولى، لرصد ردات أفعال دول (الناتو) حيال استخدامه القوة العسكرية الغاشمة، وضربه بالاتفاقات بين الشيشان وسلفه يلتسين عرض الحائط.

وما حمل العالم وقتئذ على الصمت عنه، بل مباركة خطوته، كان الرئيس الأميركي جورج بوش؛ فبينما كان العالم يراقب غير مصدق الطائرات وهي تهاجم أبراج نيويورك في يوم الثلاثاء الأسود، 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كان لفلاديمير بوتين حسابات أخرى، حيث سارع إلى استغلال لحظة الغضب الأميركي، فعارض في البداية استخدام مطارات دول الاتحاد السوفيتي السابق، ليعود ويوافق بل يعلن قبوله باستخدام المجال الجوي الروسي، بعد أن ضمن موافقة بوش على اتمام حربه على الشيشان، فكان هجومه الواسع الذي نجم عنه تدمير الدولة الناشئة.

بعد الشيشان، ستتوجه جيوش بوتين إلى جورجيا وأوكرانيا وأخيرًا سورية، وكل ذلك دون العودة إلى مجلس الأمن، أو تحقيق توافق دولي على الأقل، وكان دور (الناتو)، إزاء هذه التحركات، التنديد والإدانة، كأي دولة في العالم الثالث لا حول لها ولا قوة، من دون بذل أي مجهود حقيقي لكبح جماح الكرملين.

وبالرغم من الدعاية الغربية والروسية المبالغ بها للقوة الروسية، أو لقدرة بوتين على تحدي واشنطن، وهو الأمر الذي يحبذه البيت الأبيض ويشجعه لتبرير عدم اتخاذ أي فعل لردع بوتين، فإن الحقيقة على الأرض تقول إن الضعف الروسي بمواجهة أميركا صادم، ويتجاوز حتى دولًا أضعف من روسيا.

أميركا قامت بمهاجمة رتل للروس، عند محاولتهم التقدم نحو المناطق التي تسيطر واشنطن عليها في دير الزور، وقتلت منهم أكثر من 200 روسي، من دون أن يقوم الكرملين بأي ردة فعل أو حتى الاحتجاج الرسمي، مكتفيًا بإنكار الحادثة كأي دولة ضعيفة، ومن جهة أخرى، تقوم “إسرائيل” بشن غارات لا تتوقف على النظام السوري وميليشيات المرتزقة الإيرانيين، من دون أن تتحرك بطاريات الصواريخ الروسية، أو تقوم بمجرد ردة فعل من الكرملين بالسماح للنظام بالقيام بقصف عشوائي على الجولان المحتل.

التفرد الروسي بالعالم لا يأتي فقط بسبب طموح رئيسها أو مهارته باللعب على التناقضات، كما قد يوحي الكثيرون، بل بسبب التجاهل الأميركي الذي يرى في كل ذلك إعادة ناجحة لسياسةٍ اتبعتها واشنطن من قبلُ مع الاتحاد السوفيتي، بالسماح له بالتوسع فوق استطاعته، وبالتالي تحقيق الكثير من أهداف البيت الأبيض، قبل أن يتوجه إليها طالبًا المساعدة، كما أن واشنطن تُعتبر بكل المقاييس أحد أكبر المستفيدين من أفعال بوتين وحيله؛ فإضعاف أوروبا، واحتواء إيران، وتهديد تركيا، وإيقاف انتشار الربيع العربي في سورية عبر تدميرها، كل ذلك في النهاية يصبّ في صالح واشنطن.

تشبه الحالة التي يحياها العالم فترة الثمانينات من القرن الماضي، حين دفعت دول مثل السلفادور وكمبوديا، وغيرها من دول أميركا اللاتينية وإفريقيا، ثمنَ التلاعب الأميركي الروسي بمصير الشعوب، وتدفع سورية اليوم هذا الثمن، والقاتل -كما هو واضح- ليس واحدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق