ترجمات

ستبقى الديمقراطية تفاجئنا

في الآونة الأخيرة، تكلّست الديمقراطية الغربية ولم تنشر الرخاء، مما يوحي أنها تخدم الظلم. لكنها عنيدة وقابلة للتكيف.

الصورة: البارثينون على قمة جبل الأكروبوليس، أثينا. أنجيلوس تزورتزينيس/ وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي

قبل أيام، عندما كنت أحدقُ في الأكروبوليس، من قمة سطح في أثينا، تذكرت كلمات صمويل بيكيت: “مهما حاولت ومهما فشلت، لا يهم. حاول ثانية.. وافشل مرة أخرى.. افشلْ على نحو أفضل”.

الديمقراطية الأثينية، وهي محمية ذكورية، بعيدة كل البعد عن الكونية، فشلت في الوقت المناسب. مع ذلك، يجب أن نتذكر أن القلعة البيضاء في الفجر الأثيني لا بد أن تذكرنا بآلاف السنين من نضال البشر، من أجل نظام سياسي يسمح للمواطنين بممارسة السلطة من خلال صندوق الاقتراع: حكومة الشعب، عبر الشعب، ولأجل الشعب، كما عبر عنها لنكولن.

من المهم وضع آلامنا/ متاعبنا الديمقراطية الحالية في المنظور الصحيح. في أفضل الأحوال، الديمقراطية هي ثقافة تمكّن المواطنين الأحرار من المشاركة في تشكيل مصايرهم. وفي أسوأ الحالات، هي عبارة عن تمثيلية تتآكل فيها الروابط المدنية، وتتجمّع القوة لدى القلة، ويصبح التهليل/ المبالغة الذاتي هو القاعدة، ويستهلك الغوغاء الضحلون التسامح وضبط النفس. ثم تصبح الكلمة ذاتها خدعة، أو قناعًا ينشره الحكام المستبدون، مثل فلاديمير بوتين.

يناشدنا البارثينون أن نكون عنيدين بما يخص قدسيّة الحقيقة.

في منتدى أثينا للديمقراطية، الذي استضافته هذه الصحيفة، استمعت إلى نيكوس كوتزياس، وزير الخارجية اليوناني، يشير إلى “الليبرالية غير الديمقراطية”، كمحفزٍ للموجة الحالية من “الديمقراطية غير الليبرالية”، في أماكن مثل بولندا وهنغاريا. الناخب حكيم، وما يزال الناخبون يخبروننا عن الفشل في السنوات العديدة الماضية. إن تجاهل هذه الإخفاقات، ومنها الإفلات من العقاب، والغطرسة، وعدم المساواة، والعزلة، هو دعوة للخراب.

يفكر الناس بشكل مختلف. توفّر الديمقراطية التمثيلية وسيلةً للتوسط في هذه الخلافات من أجل الصالح العام. ويعتمد ذلك على الاعتراف بالآراء المتباينة، وليس الدوس عليها.

“الديمقراطية في خطر” أصبحت كلمة شائعة. دعونا لا ننسى أن تجارب اليونان وجنوب إفريقيا، اللتين تتحلّيان بالمرونة خلال الأزمات، وماليزيا وإندونيسيا، توحي بغير ذلك. إن الرغبة البشرية في أن تكون حرّة ليست على وشك الموت في القرن الحادي والعشرين.

لكن، نعم، الديمقراطية الغربية في حالة اضطراب. في وقت متأخر، تكلّست، ولم تنشر الرخاء، مما يشير إلى أنها ليست أكثر من وسيلة للظلم.

التكنولوجيا، بروحها الثنائية مثل روح فاوست غوته، قد غيّرت العالم من أجل الخير والشر. نحن نحب. نحن لا نحب. نحن متشابهون. نحن غير متشابهين. نحن نبوح بما يجول في خاطرنا. نحن نلتزم الصمت. يرتفع الأدرينالين. وتليه حالة من القلق. الحياة المعاصرة هي تجربة قلقة في ديمقراطية مباشرة عالمية. نحن شبكيون [مرتبطون عبر الشبكات]. يتابع (فيسبوك) أكثر من 2,2 مليار مستخدم نشط شهريًا. فهل نحن حقًا بحاجة إلى ديمقراطية تمثيلية؟ أليست هذه الديمقراطية مجرد وسيلة لمجموعة مُعولمة ثرية من المطلعين على بواطن الأمور للتحكم في حياتنا؟

لن تساعد الصيغ المرهقة في حل هذا السؤال. في المؤتمر، طالبت كارولاينا ويغورا، وهي عالمة اجتماع بولندية، بـ “تفاؤل جديد بالإرادة”، وحثّت الليبراليين على أن يكونوا أكثر تساهلًا، وأكثر وطنية، أن يتأملوا، من دون أفكار مسبّقة، كيفية النجاح في اقتصاد حديث. وأشارت إلى أن الليبراليين قد أصبحوا مملّين.

ياشا مونك، وهو محاضرٌ حول شؤون الحكومة بجامعة هارفارد، قال: إن النيران المناهضة للديمقراطية لا ينبغي الاستهانة بها. كل فعل مدني، كما اقترح، هو كوبٌ من الماء قد يساعد في إخماد ألسنة اللهب.

ما يقودني إلى الرئيس ترامب، قاذف اللهب [مسعّر جهنم] الذي يصنع العناوين الرئيسة حتى من خلال الصمت. مهزلة تنتقل كالنار في الهشيم. عندما التقى بوتين وترامب في هلسنكي، تصافحا. وقال بوتين: “أنا فلاديمير بوتين، رئيس روسيا”، ردّ ترامب: “أنا دونالد ج. ترامب، رئيس الولايات المتحدة”.

قال بوتين: “أوه، ما الذي يمثله الحرف ج؟”.

قال ترامب: “عبقري/ جينيوس/Jenius!” [تلاعب ترامب على الألفاظ حول الحرف J الموجود في اسمه، والحرف G، في بداية كلمة:  Genius، حيث لفظها Jenius)

هذا هو عصر العبقرية.

يتمتع ذلك “العبقري” بالقليل من الوقت للضوابط والتوازنات الديمقراطية. صحيفة نيويورك تايمز هي “أخبار مزيفة”. ويسخر “العبقري” من عمارة الاستقرار لما بعد الحرب التي تكفلها القوة الأميركية. ويصرخ: “أميركا أولًا!” ويؤمن “بإرادة الشعب”، العبارة الخطرة، كما لاحظ أنجي هوبز، وهو فيلسوف بريطاني.

أتساءلُ: إذا كان ترامب فاشيًا؛ فإن ماركس على حق: التاريخ يعيد نفسه، أولًا كمأساة، ثم كمهزلة.

بالتأكيد، من السهل أن تفقد موقعك في سيل أكاذيبه. من السهل أن تصبح لامباليًا. الفصول الأكثر بشاعة من التاريخ يحضرها متفرجون كُثر.

لذا، فإن ما يقلقني هو مصيرُ الحقيقة، قبل كل شيء، رجاءً حمايتها، والجهلُ، كما هو الحال في الاستخدام المفرط لكلمة “الشعبوية”، وهي كلمة مشحونة بالازدراء.. أنا قلق بشأن التذرر [الانقسام غير المتوقف]، والحد من توسيع البشر لوسائلهم.. أنا قلق بشأن خبث فساد ترامب الأخلاقي.. أنا قلق بشأن قيمة كلمة “أميركا”، المِلاط/ الغِراء في التحالفات التي أيدّت العالم الحر.

ومع ذلك، أنا متفائل. الديمقراطية عنيدة. إنها تثير نظرتنا/ تفرسنا. إنها النظام الذي يقدّس بأفضل شكلٍ رغبة الإنسان التي لا تتزعزع في أن يكون حرًا. أثينا تذّكرنا بذلك. أميركا تذكرنا بذلك. إن تفشل؛ فلن ترقى إلى “مدينة على الهضبة”، كما تكلم عنها جون ونثروب [المدينة المتوقعة/ الحلم]. وهي ما تزال تحاول أن تفشل بشكل أفضل.

ربما تعرف قصة الرجل العجوز الذي اقترب منه أولاده، وهو على فراش الموت، حيث قالوا له: “يا أبي، كنا نخاف أن نسألك، لكن ربما حان الوقت: هل تريد أن تُدفن أم تُحرق؟”.

“ردّ عليهم: لا أعرف، “لقد فاجأتموني!”..

والديمقراطية ستفاجئنا.

اسم المقالة الأصلي Democracy Will Still Surprise Us
الكاتب روجر كوهن، Roger Cohen
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 21/9
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/09/21/opinion/western-democracy-trump-challenges.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20180921&nl=opinion-today&nl_art=5&nlid=77714386emc%3Dedit_ty_20180921&ref=headline&te=1

 

عدد الكلمات 821
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق