كلمة جيرون

مُصادقة الذئاب

أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا في الراهن السوري، ذلك المتعلق بالمستوى الذي يجب أن تثق به السوريون بالروس، الذين يحاولون هز الأرض تحت أقدام المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، بكل الوسائل، وزعزعة قناعة هؤلاء المبنية على تجربة ملموسة مريرة، وإعادتهم إلى ما قبل عام 2012، حين كان الروس يدّعون الحياد.

أحد أكثر المغامرات خطورة في الراهن السوري أن يثق هؤلاء بأولئك، دون أن يكون لديهم ضمانات ملموسة وعملية ومحمية بمواثيق، من مؤسسات أممية أو دول كبرى أخرى قادرة على كشف الخلل وإيقافه، حين يبدأ الروس لعبتهم.

ليست بعيدة تلك “الصفقات” التي عقدها الروس مع المعارضة السورية، في الغوطة ودرعا وغيرها، ثم نقضوها وعدّلوها بعد أن استخدموا القوة لإمرارها، ولم يُفلحوا في لجم النظام السوري عن الانفلات في تلك المناطق؛ فكانت النتائج لا تُشبه المقدمات التي اتفق عليها الروس مع المعارضة المسلحة.

وقبلها، ليست بعيدة محاولات الروس إقناع المعارضة السورية بأنهم يسعون لحل سياسي عادل تدريجي، يضمن للمعارضة كمًّا معقولًا من مطالبها، وسرعان ما أثبتت المؤتمرات الماراثونية المتتالية، في سوتشي وأستانا، أن الروس يسعون لسحب الحل من جنيف إلى ملعبهم، وأنهم يريدون حلًا سياسيًا لا يحقق للمعارضة السورية حتى الحد الأدنى من مطالبها.

وقبلها، ليست بعيدة تلك الادعاءات، في السنوات الأولى للثورة، التي كان الروس يطلقونها في وجه المعارضة السورية بأنهم حياديون، وأنهم يقفون على مسافة واحدة بينهم وبين النظام، والتي سرعان ما أثبت تدخلهم العسكري المباشر، ومشاركتهم النظام في قتل السوريين، أنهم أفّاقون، يُغطون نيّاتهم بأوراق توت تتهاوى بسرعة.

إذًا، هي تجارب مريرة للمعارضة السورية محمّلة بعدم الثقة بروسيا ووعودها، فطوال سبع سنوات، لعب الروس على الحبال مع المعارضة السورية، وكذبوا، ونقضوا الوعود، وتعاملوا باستخفاف كبير، حتى إنهم لم يبذلوا جهدًا في البحث عن أسباب لتبرير نقض عهودهم.

في إدلب، هناك اتفاق روسي جديد، ووعد بوقف الموت، لكن ليس فيه أي ضمانة ملموسة أو محمية بمواثيق دولية، وليس فيه أي راعٍ صارم، اتفاق مُحمّل بـ “لا ثقة” متجذرة تجاه روسيا، “لا ثقة” بطرف مُخاتل مُحتال.

لا يعني هذا بالمطلق رفض الاتفاق، بل يجب الحذر منه، وسدّ الذرائع، والعمل على تثبيته بكل الوسائل، وفتح العيون، وتذكّر المثل الفرنسي الذي يقول: “ليس من الخطأ أن تُصادق الذئاب، ما دام فأسك مُستعدًا”.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: yamaha bikes

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق