أدب وفنون

علبة سردين صدئة

يدخل فيفالدي هذ البيت منذ تسع سنوات، أعرف جيدًا أنه يحبني وينتظر دموعي أن تغرق في البحر، أن أصير كالورق، وهو يتساقط في الريح تاركًا شجرته المعمرة بخفة وسعادة.

عندما كنت صغيرة، تخيلتُ حريقًا يلتهم بساتين الليمون حول بيتنا، كنت أريد رؤية خطوط الغروب كيف تذوب وأين تختفي؟

كبرت أشجار الليمون وركبت روائحها قاربًا، وسافرت أبعد من بيتنا الذي راح يحبو بين ظلالها ويلعب بوجهه، لم تتمكن النجوم من رؤية أحلامي، ولم تصل بحة صوتي إلى الرجل الذي تخيلته دومًا، يسكن كوخًا على النهر برفقة كلب أسود.

ودّعني أهلي بنظرات سكنت ظهري، وغرست فيه مخالب ومرايا مكسورة وخطوطًا من الوحل، وجئت المدينة أزحف على الماضي وأنبش عن مكان بين الأضواء، أستطيع فيه رؤية سريري القديم، وصندلي المعلق في عريشة العنب وبستان أشجار الليمون.

أرأيت يا فيفالدي!؟

لم يتغير قلبي تحت غيمة جديدة، ظلّ يحمل اسمي وينبش المجهول عن عتبة يشمّس على حافتها بذوره النيئة.

أشتري الخضار، والأغنية التي تذكرتها منذ قليل لا تستجيب لرغباتي، صرخت في أذني قبل أن تومض وترحل: كم أنت وحيدة في هذا العالم كي تخلقيني! عودي إلى صديقك فيفالدي.

أحبس دمعي، يعطيني فيفالدي مصباحًا وعصا لأعود من طريق أخرى إلى البيت.

كل شيء كبر قربي وشرب من نفس البئر التي رميت فيها حجرًا وتمنيت، الخطوات تنفست مثلي رائحة البحر وتركتني أغرق وأرى في الموج أرواحًا تكلمني، لم أتحرك من مكاني بل غرقت الذكريات في لحمي حتى صرتُ زرًّا لقميصها، صورة بالأبيض والأسود، فوق رف فاترينا مهترئة.

-الأشياء التي التصقتُ بها وكتبتُ لها، والتي آلمتني بقسوةِ رحيلها، نضجتْ قبلي. يقول فيفالدي، وهو يقضم حبات الجوز على الشرفة ويرقب آخر الصيف يسقط بين خطوات المارة.

ها هي ملعقة جدتي الفضية تصير سنجابًا وتقفز من النافذة، ها هو السقف المستعار يغشى عليه تحت ضوء القمر، ها هو الحب يحرق ثيابه في النهر، وها هو جسدي يغادرني أيضًا، يجول العالم في خرافة من صنع عينيه، ها هي سورية تعدّ النجوم مثلي وتكذب على قلبها.

ساعدني كي أتحرك بعيدًا عما ولد وعاش واختفى مني، أريد أن أكتب عن دمع العاصفة في عينيّ المنارة، عن قاع النهر، عن فم ليس لي علاقة بأشواكه وندبته ولونه.

أرسم علبة سردين صدئة، كانت في طفولتي قِدْرًا أغلي في جوفها أعشابًا سامة.. أكتب عن شباك غرفتي المخلوع وعنكبوت الزوايا منذ بداية الحرب. سأتبع الجحيم إلى الهاوية، وأصدق ما تقوله لي هذه الموسيقى.

أمدُّ غطاء ليلكيًّا فوق الطاولة، وأضيء شمعتي الوحيدة، أحضّر طبق عشاء لا يعنيني طعمه، أرتدي فستانًا صامتًا، وأنبشُ ذاكرتي بحثًا عن رجلٍ يشاركني لهيب الشمعة وهي تموت، شحوب الخواتم في أصابعي.

– كم أنت وحيدة كي تخلقيني!

قالت الأغنية قبل أن تومض وتختفي.

هلّا أنقذتني يا فيفالدي من هذه الجريمة، اذهب إلى ذاك البيت، وأحضر لي مقبض بابه وضحكات أطفاله والمظلة المرمية منذ الخليقة على شرفته.. ادخل خزانة تلك المرأة، أحضر لي رائحتها وهي عاشقة.

أُرغم الموسيقى الشاردة على الاستحمام معي، أجرُّ طفولتي من جوربيها كي تأكل معي، أوقظ نبتة الصبار من خلوتها لتشاهد فيلمًا أحبه. وعندما أنام أمدّ قدميّ خارج الغطاء، كي أستطيع الهرب من منامي ذاته.

المزهرية الصفراء فوق الرف دخلت عتمها وبدأت تتعلم الرقص، لوحة موديلياني تزرع صنوبرة في الريف البعيد.

ما رأيك أيها العجوز فيفالدي أن نفترق الآن؟

لا أريدكَ أن تتركني، كما تركني هذا البيت، أعلم أنك كبرت قربي، ولم يبق في دفتر مذكراتك صفحة واحدة فارغة، تريد امرأةً غيري تفتش لكَ في حقيبتها عن قطعة شوكولا آخر الليل.

سأكتبُ لكَ بداية كلّ فصل رسالةً، لا تحزن.

هناك وسط السفح بين الأضواء المتناثرة كندف ثلجٍ، تعيش أرملة مع قطتها، ستشعر بالدفء وأنت تسمع حبات المطر على سقف بيتها المتداعي، وأنت تراها كيف تصنع قبعاتها ثم ترميها في البحيرة، إنها وحيدة منذ آلاف السنين، ألا تشم رائحة بندق قادمة من بيتها؟

ألمحُ جسدها ينتظرك فوق كرسيّ هزاز، بشالٍ مطرز وزهر رمان وراء أذنها، أظنها تركتْ أشياءها تنمو بعيدةً عنها، لم تربّ عطرًا، ولم تر إيماءةً في عمرها، وها هي تقضي أوقاتًا سعيدةً مع وحدتها، اذهب إليها الآن، عزيزي فيفالدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق