سلايدرقضايا المجتمع

عندما يرفرف الأخضر في “المحرر”

لا تعرف السياسة مفردة تحمل الكثير من الدلالات والرمزيات والتأويلات كعَلم الوطن، فهو الرمزية الأولى التي تُشير إلى البلد أو النظام الحاكم أو الوطن الذي تنتمي إليه، وهو كذلك الرمز الذي يلتف حوله الجنود أو المقاتلون أو الثوريون، حتى إن مادة العَلم وشعاراته وألوانه يجب أن تكون المادة الرئيسة المنصوص عليها في كل دساتير البلدان، فلا دولة من دون عَلم، ولا دولة من دون نشيد.

خلال أربعين عامًا من حكم البعث لسورية، لم يترك النظام السوري شعرةً تصله بهذا الشعب إلا قطعها، لقد كان نظام الرقيب الحسيب الرهيب؛ ما جعل السوريين في ثورتهم، في مواجهة ما فعله هذا النظام من قتل وتعذيب وترويع، يرغبون هم أيضًا بقطع كل شعرة أو خيط يجمعهم بهذا النظام، وكل رسم يتقاطع معه، وقد دفعهم ذلك إلى مخالفته في الراية التي تمثلهم، واختيارهم علم الاستقلال، وهذه مفاصلة كان لا بدّ منها، مع الأسدية ورمزياتها من عَلم ونشيد وشعارات. وقد أطلقوا على علم الثورة اسم “الأخضر”، لكونه اللون المميز لعلم الثورة من علم النظام.

قبل الثورة، لم تكن توجد أي علاقة حميمية، بين الشعب السوري وبين علم الجمهورية العربية السورية، وكيف لشعب أن يشعر بقداسة راية تُمثّل جلاديه؟! راية يُجبر الشعب على حملها في المسيرات والاحتفالات القسرية، فهو علم السلطة القهرية أولًا وأخيرًا، وقد برهنت السنوات الأخيرة أنّ علاقة الموالين للسلطة بصور الدكتاتور الأب وابنه هي الأكثر حميمية وحضورًا في مناطق السلطة التي تحاول بناء تماثيل جديدة لهما، في مختلف المدن السورية، تكريسًا لمبدأ الإذلال الذي اعتادت عليه.

كان تخريج آلاف طلاب الضباط في سورية قبل الثورة يتمّ بقَسَم هؤلاء الطلاب، قبل يوم من تسميتهم كضباط في الجيش السوري، وهم إذ يقسمون بالله على حماية علم الجمهورية السورية، لم يكن قسَمهم بطبيعة الحال إلا قسمًا كاذبًا منافقًا، يخفي وراءه انتماءً ما قبل العَلم والجمهورية والوطن، إنّه قسم الانتماء إلى الطائفة والعشيرة والقائد، لا إلى الوطن، ولم يفِ بهذا القسم سوى كوكبة من الضباط المنشقين.

إنّ التفاف السوريين حول عَلم الثورة اليوم، وتكثيف حضور هذه الأعلام، لذو دلالة كبيرة على بدء تشكل الانتماء الحقيقي إلى سورية العظيمة، هو رمزية لا تقبل المساومة أبدًا، لقد أصبح لعلم الثورة قصة لا تنسى، وحكايات يجب أن تروى، هو علم مليون شهيد، ومئات آلاف المعتقلين والمقتولين تحت التعذيب، إنه علم المدن المدمرة والقرى المنهوبة والمحروقة والبيوت المهجورة، إنّه علم الأخيار والصابرين في مواجهة علم الأشرار والمجرمين، إنّه علم الجمال والفضيلة في مواجهة القبح والرذيلة، إنّه علم الوطنية السورية في مواجهة الطائفية الأسدية، إنّه الأخضر الذي يفوح مسكًا في الديار التي قُصفت بالكيمياوي والسموم.

لا، لن يكون السوريون تحت ظلّ علم يتستر بشعارات التقدم والعروبة والمقاومة، ولن يكونوا تحت ظل علمٍ يتستر بشعارات التوحيد والإسلام والجهاد والقاعدة، علمنا هو أخضر أخضر، كأوراق الزيتون والسنديان والليمون.

هذا العلم الذي ما يزال بعض المنتمين إلى الثورة يتحسسون منه، ويزعمون أنّهم ينتمون إلى هذا الشعب، ومع ذلك يجدون حرجًا في تبني هذا العلم أو تمثله، ربما لأنهم لم يقطعوا خيوطهم بعدُ مع علم النظام، الذي يرفرف فوق بوارج الدبابات، وفوق المراصد التي تقصف السوريين، وفوق الطائرات التي تلقي البراميل. علم القاتل هو ليس علم سورية.

هناك دكتاتوريات قاتلة في التاريخ، لكنها -على استبدادها وظلمها- كانت تُقدّس أعلام بلدانها، ولم يعرف تاريخ الدكتاتوريات نظامًا أذل شعبه وعلمه وجيشه، كالنظام السوري.

رسالة الأخضر من إدلب تقول للسوريين: كنتم تقولون: “لولا الأسلمة، لكنا مع الثورة”! وكنتم تقولون: “لولا العسكرة، لكنا مع الثورة”! وها هي ذي إدلب تقول لكم: “لا أسلمة ولا عسكرة ولا إخوان ولا سلفية.. بدنا دولة وطنية”. فأرونا ما أنتم صانعون يا أصحاب الأعذار! وقلتم: هذا علم الانتداب الفرنسي، فلم تلبث الأيام حتى قلدتم أولادكم أعلام روسيا وإيران وحزب الشيطان! فأخبرونا أيّ علمٍ أحقّ أن يُرفع: عَلم المجرمين الفاسدين أم علم الثائرين الصامدين؟

الأخضر الذي يرفرف في إدلب هو كزيتونها، على مرارته، للأجسام طب ودواء، وعلى الرغم من جمال هذه التظاهرات ورفرفات الأعلام، فلا أملَ لسورية التي نريد، ما لم يرفرف الأخضر في دمشقها وساحلها وفراتها.

نظام الأسد يفكر بسورية التي تفيد، وشعب سورية الحر يريد سورية التي تُعيد، تعيد المجد لشعب غُيب عن مشهد الحياة خمسين عامًا، تعيد الحرية لشعب ما يزال يخوض معركة التحرر والخلاص من الاستبداد.

مقتل سورية أن نسمح بلعبة الكانتونات والقطاعات، وهو ما يراد أن يشرعن دستوريًا، عبر وكلاء مشبوهين أو أغبياء سياسيين، ومن هنا تأتي أهمية حراك المناطق المحررة، حراك سيدفع الراغبين في قتل إرادة هذا الشعب، إلى اليأس، ولا يأس لنا وأطفال سورية قد تزينت جباههم بالأخضر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق