آخر الأخبارقضايا المجتمع

ظاهرة أطفال الشوارع تتفاقم في ريف حلب الشمالي رغم جهود مكافحتها

الفقر والنزوح أهم أسباب التسول وتكافحه المنظمات بالتوعية والمساعدة في إعادة الطفل للمدرسة

مع مرور نحو سبع سنوات على الثورة السورية، والحرب التي يشنها نظام الأسد على الشعب السوري، ازدادت المشكلات الاجتماعية وتفاقمت يومًا بعد يوم، حيث انعكست تأثيرات الحرب خاصة على الأطفال.

تقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) خلال تقرير لها مطلع عام 2018: “إن 5.3 ملايين طفل سوري بحاجة إلى المساعدة العاجلة، كما أن 3.7 مليون طفل لا يعرفون في سورية سوى الحرب”، هذه الأرقام الكبيرة، ولدت مشكلات كثيرة للأطفال، على رأسها الحرمان من التعليم، حيث تقول (يونسيف): “إن 2.7 مليون طفل سوري لم يلتحقوا بالتعليم داخل سورية وخارجها”، وقد أنتج ذلك انتشار ظاهرة عمالة الأطفال وأطفال الشوارع، وتجنيد الأطفال، وتزويج القاصرات.

خلال العامين الماضيين، ازدادت نسبة أطفال الشوارع بشكل ملحوظ في الشمال السوري، بسبب حركة النزوح الكبيرة التي شهدتها عدة مناطق سورية نحو محافظة إدلب وريف حلب الشمالي، كما استغل متسولون مأساة الغوطة وحمص وبدؤوا يستدرون عطف الناس على أنهم من تلك المناطق.

في الشمال السوري، وفي ريف حلب خاصة، تنتشر ظاهرة أطفال الشوارع بكثرة في المدن والبلدات نتيجة لكثرة عدد النازحين، وقلة فرص العمل للآباء، والظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها الأهالي، كما أن بعض الآباء يرسلون أطفالهم للعمل في الشوارع، بينما يجلسون هم في المنازل ويتخذون عمل أولادهم بابًا للرزق.

الإعلامي عبد القادر محمد، من مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي، قال لـ (جيرون): “في منطقتنا يوجد انتشار كبير للأطفال المتسولين، حيث يلاحظ في محلات السوق في مدينة إعزاز دخول عشرات الأطفال المتسولين يوميًا، وترجع الأسباب إلى الحاجة والفقر، ومعظم هؤلاء من النازحين إلى المنطقة، والأعداد كبيرة جدًا في مدينة إعزاز وريفها ولكن المدينة فيها أكثر لاكتظاظها بالسكان والمحال التجارية”.

مدينة اعزاز شمال مدينة حلب على الحدود السورية التركية

أضاف محمد: “غياب الأب ساهم في انتشار هذه الظاهرة، حيث إن معظم هؤلاء ممن قُتل آباؤهم، أو سافروا وتركوهم في المخيمات، أو أنه يعاني من إعاقة دائمة، كما أني تحدثت إلى عدد من الأمهات وأكدن لي أن سبب إرسال الأطفال للتسول هو الحاجة، إضافة إلى أن أطفال المخيمات يتعلمون من بعضهم ويتخذون التسول مهنة”.

أما في مدينة مارع فتتقلص هذه الأعداد كثيرًا، بسبب سعي المجلس المحلي هناك لمكافحة هذه الظاهرة، عن طريق تقديم المساعدات بالتعاون مع الجمعيات للأهالي، وقد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الماضيين، صور لطفلتين تتسولان في أحد شوارع المدينة، ولكن المجلس المحلي وعددًا من الأهالي قاموا بأخذ الطفلتين واشتروا لهن لباس جديد وقدموا لهن المساعدة.

ماهر حافظ، عضو المجلس المحلي في مدينة مارع، أكد لـ (جيرون) أن “عددًا من الأشخاص قدموا المساعدة والطعام والشراب واللباس لعائلة الطفلتين، وتم أول أمس الثلاثاء تقديم مساعدات للعائلة تكفي 5 عائلات، لكن الأب عمره 33 عامًا، وهو نازح من ريف حماة وقادر على العمل، يتخذ التسول مهنة مع أنه مكتف، ولم نعد نعرف ما الحل معه”.

تصنف (يونسيف) أطفال الشوارع إلى ثلاثة أقسام وهي: “أولًا القاطنون في الشارع بصورة دائمة وعلاقتهم بأسرهم الأصلية منقطعة، ثانيًا العاملون في الشارع وهم أطفال يقضون ساعات طويلة يوميًا في الشارع، في أعمال التسول والبيع المتجول، ويقضون الليل مع أسرهم. ثالثًا أسر الشوارع، وهم الأطفال الذين يعيشون مع أسرهم الأصلية في الشارع”، وتقدر (الأمم المتحدة) عدد أطفال الشوارع بـ 150 مليون طفل.

أضحت مهنة التسول والسرقة وغيرها من أعمال الاتجار بالبشر والدعارة وتجارة المخدرات مهنًا تدرّ أرباحًا وفيرة على شبكات مختصة بهذه المجالات، وسط انعدام السبل الفاعلة لمكافحتهم، في ظل وجود بيئة خصبة لممارسة نشاطاتهم مع الغلاء الفاحش وانعدام فرص العمل وتعدد السلطة العسكرية الحاكمة في كل منطقة، والانفلات الأمني الذي باتت تشهده معظم المناطق السورية.

هدى طقطق، مسؤولة الحماية في (شبكة حراس الطفولة) المختصة بحماية الطفل، قالت لـ (جيرون): “أسباب انتشار ظاهرة تسول الأطفال هي الاستغلالية بالدرجة الأولى وجهل الأهل والقائمين على رعاية الطفل، ومن ثم الحالة الاجتماعية للطفل، وكونه قد يكون المعيل الوحيد للأسرة، على المستوى الآخر سبب العمالة له ارتباط مباشر بوضع المدارس والمعاملة السيئة والانتهاكات التي يتعرض لها الطفل ضمن النظام التعليمي في هذه المناطق”.

عن عمل منظمة (حراس الطفولة) للمساعدة في مكافحة هذه الظاهرة، قالت هدى:تقوم منظمتنا برصد الحالات بالمجتمع عن طريق لجان مجتمعية أو المساحات الصديقة للطفل وفرق الدعم النفسي الجوالة التابعة لنا، لإدخالهم في ما بعد ضمن نظام إدارة الحالة، على المستوى الثاني للاستجابة، ويتم وضع خطط فرديه للأطفال، إما عن طريق إلحاقهم بدورات التعليم المسرّع، كونهم منقطعين عن التعليم، ومن ثم العمل على إلحاقهم بصفوفهم النظامية، وتأمين مورد مادي لأحد المعيلين أو حتى تأمين تدريب مهني للمعيلين، في حال عدم قدرتهم على العمل”.

أضافت هدى: ” لمكافحة نقطة جهل القائمين، يتم عمل جلسات توعيه للمجتمع أو جلسة توعية فردية للأهل، أما بخصوص العمالة الاستغلالية، إذا كانت ضمن تنظيم أو عصابة استغلاليه، فإننا نقوم برصد الحالات عن طريق قسم الرصد والتواصل مع الجهة المنتهكة للتباحث في إمكانية معالجتها داخليًا عن طريق اللجان المجتمعية، وفي حال عدم الاستجابة، يتم إرسال وتوثيق الانتهاك لدى الجهات الحقوقية في حال كان هناك قدرة على محاسبتهم”.

في نظم الدول والحكومات الإدارية توجد غالبًا وزارة مختصة بشؤون الأسرة والمجتمع، تتكفل بمعالجة هذه الظواهر بطريقة مستدامة، ولكن في سورية اليوم وخاصة مناطق الشمال أسندت هذه المهمة إلى منظمات المجتمع المدني التي تنسق مع المجالس المحلية، وتسعى جاهدة لوضع حلول مناسبة.

عن الحلول المستدامة في القضاء على هذه الظواهر، تقول هدى: “أما الحل الأمثل للتخلص من هذه الظاهرة فهو بناء وعي مجتمعي عن حقوق الطفل، وقد نجحنا في تطبيق ذلك في إدلب من خلال حملات التوعية، وانخفضت نسبة تسول الأطفال كثيرًا، وقد بدأنا تأسيس مكتب في مدينة إعزاز لتغطية ريف حلب الشمالي وإنشاء لجان مختصة”.

ظواهر اجتماعية كثيرة بدأت تزداد في مختلف المدن السورية، خلفتها حرب النظام التي يشنها على السوريين، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تسببت في تهجير ملايين ومقتل واعتقال مئات الآلاف، إضافة إلى أنها خلفت مشكلات اجتماعية تهدد مستقبل جيل سوري كامل، وهذا يتطلب من المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة العمل بجدية على تقديم المساعدة اللازمة، من أجل تقديم حلول ناجعة بعد تشكيل ضغط سياسي على النظام لإنهاء دوامة العنف والدخول بجدية في المفاوضات، لتبدأ عجلة إعادة الإعمار البشري وترميم جيل الطفولة السوري لإخراجه من مستنقع الحرب وآثارها الكارثية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق