مقالات الرأي

جريًا وراء أوهام

واهمٌ من يعتقد أنّ بوسعه ليّ عنق نهر التاريخ ليعود إلى مجراه القديم، فحتى لو عاد، سيكون بماء جديد وحياة أخرى. ما يبدو عودة إلى الماضي، أو ما يُحاولون إظهاره كذلك، ليس سوى اجترار وتسوُّل للأساليب والممارسات التي لم تعد صالحة لزمن تخضّب بالدم والتوحّش وأنين الضحايا.

أن تعود المياه إلى مجاريها يعني أن تزول الأسباب المشخّصة التي قادت إلى تدمير الحياة السورية السوية على مراحل، ومنذ نهاية الخمسينيات؛ إنّها سياسات الاستبداد التي عطّلت الكثير من الطاقات والقدرات والمواهب، واختارت الموالي، لا الكفؤ، ليحوز المناصب الحكومية والوظائف، وهذا يكفي لتدمير حضارة كاملة خلال عدّة عقود. كما أنّ الخوف الذي أغرق فيه الاستبداد البلادَ، متّكئًا إلى سنده الديني، قزّم الطاقات الإبداعية التي تحتاج إلى الحرية كشرط أساس للتجريب والبعد عن التّنميط والتقليد. بالنتيجة، أصبح السوري المبدع هو السوري الميت، أو الذي ينتظر موته، أو ذاك الذي “فرّ” من “القفص الوطني”.

يستغرب البعض انفراط عقد الوطنية السورية في هذه الأيام، وهي لم توجد في الواقع، منذ عهد الوحدة عام 1958، إلا كعصبية تحت جناح قوميةٍ فقدت بريقها منذ ستينيات القرن العشرين، وتحوّلت إلى مشروع استبدادي محمولٍ على أمواج عاطفية لم تسفر سوى عن محاولات وحدوية فاشلة، ولم تكن لتستمر خارج بيئة الاستبداد، حيث عشعشت فيها مختلف العصبيات ما قبل الوطنية، وساعدت الإسلاميين في الترويج لفكرة الانتماء للأمة الإسلامية كبديل للوطنية. البيئة العلمانية، على نقائصها، هي ما جعل القومية التركية أقلّ عدوانية، خلافًا للعربية، وسمح بنمو برعم التيار الإسلامي في صيغةٍ جديدة متكيّفة وأكثر اعتدالًا.

مع ذلك، لا بدّ من هوية وطنية جامعة، عوضًا من تنازع الانتماءات، أساسها بناء جديد يقوم على دعائم نقيضة لما كان الأمر عليه قبل عام 2011؛ اللامركزية كبديل للمركزية، والديمقراطية كبديل للاستبداد، والقانون كبديل لتعسف الأجهزة الأمنية، والانتخابات مقابل التعيينات، والنظام العام مقابل الفوضى والمحسوبية والاستزلام.. الخ. لن يتم ذلك بين ليلة وضحاها، لكنها البداية، وعبر فترة انتقالية لا يمكن تحديدها بدقّة وسط كل هذه التفاعلات الدولية والإقليمية.

في ظلّ نظام مواطنةٍ قائم على الحقوق والواجبات والشعور بالكرامة، بوسع المرء أن يعيش وطنيّته الحقيقية ويدافع عن قضاياه، سواء من داخل بلده أو من أي مكان في العالم، ويستبدل بها تلك الوطنية المزيّفة التي فُرضت عليه أو تبنّاها كعصبية تغطي عصبيات أخرى ولا تتجاوزها.

إنّ سياسة توجيه الأنظار إلى قضايا وهمية وعدائيات لا لزوم لها، للتغطية على ما يجري من مظالم على أرض الواقع، حيّدت القضايا الوطنية بالفعل، كقضية الجولان، فلم تعد لها الأولوية، في هذه المرحلة على الأقلّ، ويحتاج السوريون إلى مدة كافية من أجل تضميد جراحهم العميقة والتفكير بما أصابهم، ومن ثم يتفرّغون لترتيب علاقاتهم الخارجية على اختلافها وأهميتها.

الخوف القائم الآن هو ذلك الخوف الذي ينتظر انقشاع الغيوم الملبّدة، وليس كابوسًا بلا أمل. والتحرّر منه يقتضي إعادة صياغة علاقة الفرد مع المجتمع وبنائه السياسي، كضرب من علاقة تقوم على التفاعل لا الخضوع، فيها يسهل التحرّر من كل استبداد، بما في ذلك الموروث الاجتماعي والديني المعيق لنمو شخصية الأفراد. العنف الديني يبقى محدودًا ويمكن السيطرة عليه في بيئة ديمقراطية، ولا يعدو كونه موجات عابرة ومتلاشية لمن خدعتهم رصانة الكلمات.

عندما يفتح التاريخ أبوابه للتغيير، يصبح من المستحيل إغلاقها مدة طويلة، و”اللا” الدامية التي ردّدها الناس في وجه الاستبداد لن تتحول إلى “نعم” خنوعة، مثلما لن يعود هيكل الاستبداد المتصدّع إلى سابق عهده، ولو أنّ الكثيرين سيحاولون ترميمه أو استعمال حجارته لبناء هياكل استبدادهم الجديدة – القديمة. صحيح أنّ الخسارة كبيرة بسبب انهيار سدّ الاستبداد، لكنّها مؤقتة، والحياة القادمة على إثر الطوفان لا مثيل لخصوبتها، فيها، ومع تداعي البناء السياسي القديم، ستضمحلّ تراتبية الذلّ – الإذلال تدريجيًا، التي لم تكن تسمح لشخص ما أن يعي ذاته إلا بوصفه مُذلًّا أو مذلولًا، باختلاف النسب والدرجات.

على غموضه، فضح شعار الحرية كذبة الاستبداد، وتحوّلت الحرية إلى تهمةٍ قاتلة، حين نزلت إلى أرض الواقع، مع أنّ التلاميذ كانوا يردّدونها يوميًا في ساحات المدارس، وانطلقت في أثرها تلك الشحنة الهائلة من العداء ممّن يُفترض أن يكونوا مؤمنين بها كإحدى أقانيم البعث الثلاثة، الوحدة والحرية والاشتراكية، ما فضح زيف الشعارات وكشف عمّا راكمته سياسات الاستبداد في قلب المجتمع من عوامل انفجار مؤجّلة.

إنّ خضوع أكثر من جيل لثقافة الاستبداد يجعل المطالبة بالحرية مجرد صرخة تحتاج إلى الكثير من التنظيم، من خلال تعلُّم ثقافة الحوار وطرق التعبير عن الرأي، وتربية جيل جديد على قيم الحرية المسؤولة، وذلك للحيلولة دون ظهور الممارسات الاستبدادية ذاتها بلونٍ جديد، وإعادة نشر ثقافة الخوف، ولو إلى حين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق