أدب وفنون

الشاعر والناقد المغربي رشيد الخديري: القراءة هي سلطة المعرفة ولا تستقيم الكتابة بدونها

رشيد الخديري، شاعر وناقد مغربي، من مواليد فاتح أبريل سنة 1978 بالدار البيضاء، حاصل على إجازة في الأدب العربي بالمحمدية، يتابع دراسته بسلك الماستر تخصص الأدب العربي والمثاقفة، عضو اتحاد كتاب المغرب وحركة الشعر بالشيلي، ينشر نصوصه ومقالاته بمجموعة من المنابر الإعلامية المغربية والعربية، يزاوج بين كتابة الشعر والكتابة عنه، حصل على جوائز عدة: جائزة ملتقى قصيدة النثر بالقاهرة عن ديوان (خارج التعاليم، ملهاة الكائن) سنة 2009، جائزة بيرق يافع للشعر المنثور سنة 2012، جائزة المتكأ الثقافي للقصة القصيرة جدًا بالبحرين سنة 2012، جائزة فاطمة السنوسي للقصة القصيرة جدًا بالسودان سنة 2013، جائزة الهيلالي للشعر بفرنسا سنة 2015، كما حظي بتكريم دائرة الشارقة للثقافة والإعلام بالقنيطرة سنة 2012 .

صدر له في مجال الشعر: (حدائق زارا، خارج التعاليم، ملهاة الكائن، الخطايا والمرآة، سلالم ضوء)، بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال النقدية: (الطرديات في الشعر العربي – الدرامي والغنائي في الشعر المغربي المعاصر، أنثى المسافات أنموذجًا – التراث النقدي عند العرب، آلياته وإشكالاته).

بالتزامن مع فوزه مؤخرًا بجائزة الشارقة للإبداع، التقينا الشاعر الخديري، وكان هذا الحوار:

أعيش داخل الطفولة وخارجها

ثمّة خيط يوصل ما بين الطفولة وما بعدها؛ كشاعر ما الذي يشدّك إلى الطفولة، وكيف عشت هذه المرحلة من حياتك؟

= سؤال الطفولة يتردّد كثيرًا في تجربتي الشِّعرية، بدءًا من (حدائق زارا) ديواني الأول، وصولًا إلى (سلالم ضوء)، إصداري الأخير، أعيش داخل الطفولة وخارجها، ودومًا أجدني مأهولًا بتلك الأنقاض التي تُخَلِّفها، هي أنقاض تكفي لكتابة الآلاف من القصائد بلون الشغب الطفولي، بما في ذلك من حالات انجذاب طبيعي للمهد، باختصار، لا يمكنني تصور نفسي خارج الطفولة، وهي ليست قفصًا أو إقامة دائمة، جبرية في حضنها، وإنما ملاذ آمن، وحميمي، لا سيما أننا عشنا طفولة الهامش، وما يعني ذلك من أنواع الحرمان، ومع ذلك، فأنا سعيد أكثر بطفولتي وأتمنى دائمًا أن أعيش طفلًا، بريئًا يُخربش أولى بداياته في الحياة.

البدايات أشبه بالحلم

– كل مبدع له حكايته الحميمة مع نصّه الأوّل، النص الذي ولِدَ من حيثُ ندري ولا ندري، ماذا عن خطوتك الأولى في أرض الكتابة؟

= البدايات أشبه بالحلم، وبدايتي مع الكتابة نسيجٌ من التَّردد المستمر على أرض الكتابة، من الصعب الحديث عن البدايات كما النِّهايات، اكتويت بلهيب الكتابة أواخر التسعينيات، وأتذكر أول نص قرأته في حجرة الدرس على زملائي بيدين مرتعشتين، وبقلب عائم في الخوف والرهبة، ليس من السهل، مواجهة أطفال صغار بنص شعري مشرع على الحلم، أظن لحظتها أنني كنت في عالم غير عالمي، انخطفت عن هذا الوجود، وسافرت في أرض الكتابة، قرأت بصوت مبحوح أشبه بصوت الحشرجات، لكني، كنت مأهولًا بالغياب والحضور معًا، غياب في حضرة القصيدة، في كنف اللغة المشتهاة، حضور في عيون وجوه ما زلت أتذكر تفاصيلها وملامحها حتى اللحظة.

ما الذي دفعك إلى كتابة الشعر، وما المؤثرات التي كانت السبب في ذلك؟ ومَن مِن الشعراء أثّر في تجربتك؟

= أحيطك علمًا أنني بدأت قاصًا، وأول ما نشرتُ في البداية هو أقصوصة بعنوان “عصفورتان”، أحببت السرد والحكايا الموشحة، وحدث أن سلمت إحدى قصصي القصيرة لأستاذ شاعر، فقال لي إنني أملك حسًا شعريًا كبيرًا، ونصحني بكتابة الشعر، كانت البداية ببدر شاكر السيّاب، لكن يبقى للشاعر طرفة بن العبد [الورد] الأثر البالغ في تكوين شخصيتي الشعرية، راهنت على المقروء، لأكتب، الذي لا يقرأ لا يُمكنه الكتابة، صحيح، أنني كنت أقرأ كل ما أجده، دون تمييز ولا تدقيق، شغلي الشاغل كان هو القراءة، فالقراءة هي سلطة المعرفة، ولا تستقيم الكتابة بدونها.

فصل الشعر عن النقد

يؤكّد بودلير أن “العظماء من الشعراء، يصبحون نقادًا بطبيعة الحال”، فيما يذهب هيجو إلى القول بأنّ “الناقد لديك يساوي الشاعر”، انطلاقًا من هاتين المقولتين، أود أن أسألك عن سبب لجوء بعض الشعراء إلى الكتابة النقديّة، وهل بإمكان الشاعر أن يكون ناقدًا؟

= أرى أنَّه لا يُمكن فصل الشِّعر عن الممارسة النَّقدية، وهي ظاهرة ليست غريبة عن المشهد الثقافي العربي، أدونيس مثلًا من أكثرِ الشُّعراء العرب الذين جمعوا بين الشِّعر والتنظير له، لكن في المقابل، هناك شعراء حققوا تراكمًا شعريًا مهمًا دون أن تكون لهم القدرة على التنظير مثل محمود درويش، ما أودُّ قوله، المسألة مرتبطة بالشاعر نفسه، بدرجة تمثله لهذا الشعر وهل هناك متَّسَعٌ من الذائقة للكتابة النقدية، صحيح أن الكتابة الشعرية تختلف عن النقد، إلا أن هذه التمارين الإضافية تُتيح للشاعر إمكانية المحاصرة الإدراكية والجمالية لنصوصه أوَّلًا، ثم قراءة تجارب الآخرين، لنقل إن النقد هو عملية “تجسس” على إبداعات الآخرين، وأعتقد أن هذه المسألة لها طابع الخصوصية ليس إلّا.

معضلة الكتاب العربي

– ثمّة ظاهرة لافتة عن انتشار الكتاب إلكترونيًّا، إلى أيّ مدًى يساعد الإنترنيت في انتشار الكتاب الشِعريّ تحديدًا، بالتزامن مع رداءة التعامل مع “الشِعر” من قبل دور النشر العربية؟

= تلك هي معضلة الكتاب العربي من المحيط إلى الخليج، لا ننكر أن ثمة طفرة نوعية في طبع الكتب بكل أطيافها التعبيرية، لكن محدودية الانتشار تجعل من الكتاب صعب التداول بين الأقطار، اللهم إذا استثنينا المعارض الموسمية للكتاب التي تُتيح هذه الإمكانية، لكن في المجمل، الكتاب العربي محدود الانتشار ورقيًا، فعلًا، الإنترنت أتاح هذه الإمكانية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا تتردد دور النشر العربية في الإقبال على طبع الأعمال الشعرية؟ وأعتقد أن المسألة لا تتعلق بأزمة قراءة، أو رداءة الأعمال الشعرية فقط، وإنما هي مسألة عرض وطلب، فالرواية مثلًا نالت حظوة كبيرة في السنوات الأخيرة، لا لجودة المنتوج أو بوصفها “ديوان العرب” الجديد، أو لأنها من إفرازات البنية الثقافية الجديدة التي تلبي حاجات العصر، المسألة من منظوري تتعلق بقيمة الجوائز المخصصة للإبداع الروائي، وإلا بماذا نُفسر إقبال عدد كبير من الشعراء على كتابة الرواية مثلا؟ نحن نعيش حالة انفصام ثقافي حاد، وسحر الورقي ما زال ممكنًا، شريطة إعادة الاعتبار للشاعر أولًا، ثم إلى ما يكتبه ثانيًا.

ما هو جديدك؟

= صدر لي مؤخرًا عمل شعري بعنوان (سلالم ضوء) عن منشورات بيت الشعر بالمغرب، وكذلك صدر مع مجلة “الرافد” الثقافيّة عملٌ نقدي موسوم بـ (المعنى الشعري، الأفق الجمالي وشعريات الرؤى)، خصصته لمقاربة متون شعرية مغربية، ولدي كتاب نقدي قيد الصدور حول تجربة الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف. ها أنت ترى أننا نشتغل بحثًا عن كوة ضوء في هذه الذات المنكسرة، القلقة على الدوام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: Learn More Here

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق