مقالات الرأي

وثائق لا تنهي شهقات الموت

منذ بدء الحرب في سورية، لم تتوقف الوثائق التي تدور في فلك حلّ الأزمة السورية، محمّلةً بقشور المعضلة التي خرجت من إطارها السوري السوري، لتصبح شأنًا دوليًا بالمفاعيل وبفرض الحلول، طالما أن السوريين لم يمتلكوا المقدرة والوسائل لإنتاج حلّ، ولم يتفقوا على رؤية شاملة للحلول قابلة للتطبيق، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال سنوات الدمار.

وضعت واشنطن في التداول وثيقة “المجموعة المصغّرة” التي تضم سبع دول هي (بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا ومصر والأردن والسعودية) مقدمةً جملةً من المبادئ والشروط لحل الصراع، ويمكن اعتبارها إعادة صياغة، مع بعض الشروط والإضافات والتوصيفات، لما طُرح سابقًا في “اللاورقة” من “مبادئ حل الصراع” التي قدمتها خمس دول (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن)، بتاريخ 23/ 1/ 2018 خلال اجتماعها في باريس. الاختلاف الواضح بين اللاورقة وبين هذه الوثيقة هو مراحل ترتيب الميدان السوري وإفرازاته في مدارات السياسة الدولية؛ إذ صدرت اللاورقة في مرحلة التدخل العسكري في محيط دمشق، لتقطع الطريق على مؤتمر سوتشي الذي أقرّته روسيا بعيدًا عن الشرعية الدولية، ولم تقدّم ما هو ملموس كحلّ، أو توقف مسار هدم مناطق خفض التصعيد المقررة في أستانا الذي سار بخطوات ثابتة في الانتقال جنوب العاصمة إلى درعا، وإخراج المسلحين نحو إدلب آخر معقل للمعارضة المسلحة والتي استقطبت سيلًا من الجهاديين.

الوثيقة الحالية رافقت دخول إدلب دائرة الحسم العسكري للنظام السوري وداعميه، وزيادة التجاذبات حولها التي أسفرت عن منطقة عازلة، بين قوات الحكومة السورية والمعارضة، بضمانات روسية تركية، ولتقطع الطريق على إعلانات نهاية الحرب وعودة الاستقرار، وعلى الجهود الروسية لتسويق مبادرتها بشأن عودة اللاجئين، وربطها بمساعدات إعادة الإعمار، وبالوجود العسكري الأميركي في سورية وإمكانية الاتفاق عليه. فلا عودة لللاجئين دون إشراف الأمم المتحدة ومحاسبة مجرمي الحرب، ولا مساعدات لإعادة الإعمار في المناطق التابعة للحكومة السورية دون وجود عملية سياسية ذات مصداقية وإصلاحات دستورية وانتخابات ترضي الدول المانحة.

التركيز على أن العملية السياسية يجب أن تجري برعاية الأمم المتحدة، وفقًا لقرار مجلس الأمن 2254، وأن تفضي إلى إصلاحات دستورية وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة، حيث تؤدي العملية السياسية إلى تحقيق المساءلة، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية الحقيقية، إضافة إلى إصلاح أجهزة الأمن وتحسين أدائها، يمثل خطوة جيدة للخروج من الاختلاف الحاصل، بين روسيا وبقية الأطراف، على تأويل القرار 2254، لكنه لا يجعل الوثيقة مرجعية للتفاوض، وإنهاء المساومات الدولية بين مختلف الأطراف والقوى للوصول إلى حلول بالتراضي حول التشكيلة الجديدة لسورية، خصوصًا أن أميركا وروسيا تسيران على خطّين، لم يلتقيا على حلّ الأزمة بقدر ما التقيا على تشبيكها.

الوثيقة التي تجاوزت فكرة رحيل الأسد، توجب على الحكومة السورية عدم رعايتها الإرهاب، وقطع علاقاتها مع النظام الإيراني والميليشيات التابعة له، وألا تهدّد الدول المجاورة لها. فهي تربط الحل السياسي بجملة معطيات معقدة، لا توجد آلية واضحة لحلّها في دوائر صنع القرار؛ ما يجعل الوثيقة لا تمهد لحلّ بقدر ما تثبت فكرة استمرار حروب الآخرين على الأرض السورية، بانتظار اتفاقات وتصفيات الحلول، للوصول إلى استراتيجية واضحة بين روسيا وأميركا التي تعتبر إطالة أمد النزاع في سورية تمثل استنزافًا لكل من روسيا وإيران، وإضعافًا لتأثيرهما على المدى الطويل، خصوصًا أن العقوبات الاقتصادية لم تُجدِ نفعًا مع روسيا التي تعمل على تعويض العقوبات بالعقود الاقتصادية الكبيرة في سورية، ولو على حساب حليفتها إيران. أما إيران التي استثمرت في العراق ما بذرته أميركا، ووصل نفوذها إلى جوار “إسرائيل”، فإن استنزاف قدرتها ومواردها في حرب طويلة سيزيد من فقدان قدرتها في السيطرة على زمام الأمور، خصوصًا في داخلها المحتقن، وقد تبدو إيران الآن أضعف مما كانت عليه في بداية التدخل في سورية، لكن قطع العلاقة بينها وبين النظام لن يكون نتيجة رغبات الدول، فهي ما زالت تمتلك القدرة على التكيّف والالتفاف على خسائرها إلى وقت طويل.

حرب الاستنزاف الطويلة التي تريدها واشنطن، وربط الحلّ السياسي بملفي (الإرهاب وإيران)، واكبها من الجانب الروسي تصريحات حول خروج القوات الأجنبية (تركيا وإيران) من سورية؛ ما يشكل المفترق الذي سيقطع أحلام السوريين باعتبار الوثيقة خارطة طريق لإيجاد حلول، فهي ترتيبات لإطالة أمد الحرب من دون الالتفات إلى النزيف السوري.

أفضل ما قدمته الوثيقة هو أنها أعطت صيغة دستورية، لم تقم بتقديمها اللجنة الدستورية لصياغة دستور جديد للسوريين التي رشحتها الدول التي تمارس احتلال سورية والضامنة المباشرة للحرب فيها، والتي رسّخت التصوّر بأن هذا الدستور سيبقى خاضعًا لمماحكات المصالح الإقليمية والدولية، وسينتظر جولات وجولات ليصل إلى صيغته النهائية. هذه الصيغة لن تدفع روسيا إلى التفاوض بشروط جديدة، ولن تغير قواعد اللعبة وشروطها، فالاجتماع الذي عقد في 15 الشهر الجاري في إسطنبول، لمناقشة الوضع في إدلب، بحضور مستشاري زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا لشؤون الخارجية، نوّه فيه السفير الروسي في تركيا أليكسي يرخوف بـ “إمكانية التسوية السياسية للأزمة الدائرة، في إطار مساري أستانا وجنيف، وإمكانية ربطهما بعمل المجموعة المصغّرة”، هذا الربط الذي يمكن فهمه في إطار مطالبات موسكو لدمشق بتنفيذ إصلاحات سياسية تحت رعايتها، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وغيرها على أساس الإصلاح الدستوري المنشود. فالرؤية الروسية لهذه المرحلة، بما تضمنته من مصالحات وحسم القضايا الميدانيّة العالقة، لا تحتمل الفرض الدولي بل المنتصر يفعل ما يراه مناسبًا. كما أن كل شيء في سورية يوحي بعودة سريعة لسلطة الدولة إلى المناطق التي كانت بأيدي المعارضة المسلحة.

التناقضات الكامنة في الأزمة السورية والتدخلات الدولية، وسعي كافة الدول المنخرطة في الحرب لإطالة أمدها قدر الإمكان، للاستفادة من المتغيرات المرافقة للميدان، زادت التعقيدات حول استنباط الحلول وجعلتها حلولًا كسيحة لا ضامنَ لتنفيذها إلا ببقاء هذه الدول مجتمعة على الأرض السورية، وهذا بحدّ ذاته يجعل الحلّ يتسرب بعيدًا عن المرجو لمستقبل سورية الذي يتسربل حتى الآن بحقيقة واحدة هي أن كل هذه الوثائق لم تُخرج السوريين من جملة الكوارث الإنسانية، والانتهاكات الجماعية التي وصلت إلى حدّ الإبادة المنهجية، وكل المقترحات لم تصل بعد إلى حلول تنهي شهقات الموت المتعددة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: blote tieten

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق