ترجماتسلايدر

حروب سورية الثلاث

مع المعارك في إدلب، وقرب مرتفعات الجولان، وفي شرق البلاد؛ تبتعد الحرب الأهلية من نهايتها

الصورة: متطوعو الدفاع المدني السوريون يحاولون إخماد حريق في محافظة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون يوم 7 شباط/ فبراير. (عامر الحموي/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي)

مع الطرد العسكري الكبير للدولة الإسلامية (داعش)، واستعداد نظام بشار الأسد الذي يسيطر على المناطق الغربية المكتظة بالسكان في سورية قبل حملة كبيرة لاستعادة إدلب، وهي معقل رئيس للمتمردين؛ تدخل الحرب الأهلية السورية مرحلة جديدة. ما تزال إيران وإسرائيل وروسيا وتركيا والولايات المتحدة متورطين في الصراع، في حين يبدو أن قطر والمملكة العربية السعودية قد أُبعدتا عنه. ثلاثة معارك إقليمية منفصلة بين اللاعبين المتبقين -في إدلب، وفي الأراضي القريبة من مرتفعات الجولان، وفي المناطق الشرقية لسورية- هي من سيُحدد مستقبل البلاد.

كان الرئيس دونالد ترامب صريحًا بشأن رغبته في الحد من مشاركة الولايات المتحدة في أسرع وقت ممكن. في آذار/ مارس، حيث أخبر المؤيدين السياسيين أننا “بعد أن نهزم داعش كاملًا سنخرج من سورية قريبًا جدًا. ولندع الآخرون يهتمون بها الآن. … سوف نعود إلى بلدنا، إلى حيث ننتمي، إلى أين نريد أن نكون”. غير أن الحكومة التي يترأسها تتبنى وجهة نظر مختلفة. الولايات المتحدة لديها الآن “سياسة جديدة”، كما قال جيمس جيفري، الممثل الخاص الجديد للولايات المتحدة في سورية، لصحيفة واشنطن بوست في أيلول/ سبتمبر. “نحن لن ننسحب بحلول نهاية العام”. وقال جيفري: إن الإدارة تهدف إلى “مقاربة فعالة” أكثر، لضمان “هزيمة دائمة” للدولة الإسلامية (داعش) ودفع إيران للخروج من سورية. “وهذا يعني أننا لسنا في عجلة من أمرنا”، مضيفًا، ربما لإقناع نفسه، “أنا واثق من أن الرئيس على توافق مع هذا”.

سواء أكان الرئيس على توافق أم لا، فإن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة ليس لديها أي نفوذ حقيقي في سورية، وهي تفتقر إلى الموارد والقدرات والعزيمة السياسية للحفاظ على التزام عسكري ودبلوماسي كبير لتشكيل مستقبل المنطقة. في هذه المرحلة الأخيرة من الحرب، بالتالي، سيكون ضبط النفس هو أفضل من التهور.

في الوقت الحالي، إن أكثر المعارك أهمية بين الثلاث -على محافظة إدلب- في مراحلها المبكرة. هذه المحافظة، في شمال غرب سورية، هي تقريبًا تشكل ثلثي مساحة لبنان وهي جبلية للغاية. إلى الغرب، تطل أراضيها المرتفعة على السهل الساحلي لسورية، وعلى مدينة اللاذقية، وهي قاعدة بحرية روسية، ومعظم سكانها علويون. إلى الشرق، تطلُّ إدلب على حلب، وهي ثاني أكبر مدينة سورية قبل الحرب، وتعدّ هدفًا لمعركة وحشية بين النظام والدولة الإسلامية (داعش)، عام 2016 [لم تكن داعش موجودة في حلب في ذلك التاريخ، والمعركة مع عدة فصائل من الجيش الحر]. وبالنظر إلى الجنوب، فإن المحافظة تتاخم مدينة حماة التي دمّرها حافظ الأسد عام 1982 في حملته لإبادة الإخوان المسلمين السوريين. في الفترة 2016-2017، تغيرت السيطرة على قرى شمال عاصمة المحافظة مباشرة عدة مرات، حتى قام الجيش السوري بتأمينها، وعلى ما يبدو للأبد [هذه المناطق لم يدخلها الجيش السوري منذ عام 2015]. وإلى الشمال تقع الحدود التركية.

مثل الأراضي الجبلية في أماكن أخرى، اجتذبت إدلب المستوطنين الذين تعتبر العزلة ضرورية لبقائهم، إنها بيئة طبيعية للمعارضين. رفض السنة المحافظون هناك علمانية النظام البعثي والعلوية الهرقوطية [غير التقليدية] لعائلة الأسد. على مدى عقود، قاوموا دمشق ووفروا ملاذًا آمنًا للمتدينين الناقمين.

ليس من المستغرب إذن أن تكون واحدة من أوائل المعارك في الحرب الأهلية الجارية في سورية بالقرب من مدينة جسر الشغور غرب إدلب، حيث اعتدى المسلحون على موقع عسكري [مركز مخابرات]، مما أسفر عن مقتل أكثر من 120 شخصًا. بعد أربع سنوات من القتال، فقد النظام السوري السيطرة على إدلب في 2015. في عام 2017، عندما طردت الولايات المتحدة القوات الجهادية من الرقة في شرق سورية، فرّ الناجون إلى إدلب. وقد تضخمت أعدادهم في الآونة الأخيرة، برجالٍ من جميع الأطياف السياسية التي تسعى للتهرب من التجنيد في الجيش السوري، الذي كان يسوق كل الذكور بين سن 18 و51.

في غضون ذلك، قامت تركيا بإدخال حوالي 1300 جندي، وأقامت عشرات من مراكز المراقبة في المحافظة. كان المقصود منها احتواء أي تهديد لتركيا يأتي من إدلب، وكذلك تزويد البلاد بقاعدة أمامية لعمليات أخرى، لأن أنقرة رسمت مهمتها بشكل غير واقعي. وبدلًا من ذلك، ركّزت أنقرة في المقام الأول على تجميع المتطرفين الذين قد يشقون طريقهم إلى تركيا، ومانعة اللاجئين من عبور الحدود، ومحاولة فرز الجهاديين المتطرفين بعيدًا عن العدد الأكبر من المتمردين، بينما أبقت على المتمردين الأكثر اعتدالًا كأسلحة لاستخدامهم ضد نظام الأسد. وبمجرد انتهاء الحرب الأهلية، من المرجح أن تهدف تركيا إلى تحويل الاحتلال طويل الأمد لإدلب إلى اتفاق دائم كجزء من تسوية أكبر في فترة ما بعد الحرب.

من جانب آخر، ظل نظام الأسد يتحفز لاستعادة إدلب لأشهر. الأسد مصمم على لملمة سورية في وحدة موحدة تحت حكمه، وكان يُعتقد أن إدلب ستكون خطوته التالية بعد فوزه في حلب ودرعا. من المحتمل أن يضيف نشر القوات التركية في إدلب إلحاحًا على هذا الهدف، بسبب التهديد الاستراتيجي الذي يشكله الجهاديون. كثيرًا ما يتحدث المتشددون حول استخدام إدلب كمنطلق لمعركة دائمة ضد الأسد. كيف يمكن أن ينفذ المسلحون هذا التهديد من دون غطاء جوي أو مدرعات أو مدفعية ثقيلة، هو لغز بالطبع، لكن النظام يأخذ مواقفهم على محمل الجد.

لقد أعربت دمشق عن استعدادها للتحرك ضد المتمردين في إدلب قريبًا، لكن يبدو أن طبول التحذيرات، من الولايات المتحدة والأمم المتحدة وتركيا وآخرين، ضد هجوم متهور، أدت إلى ردع الهجوم المتوقع في الوقت الراهن. من منظور النظام، يمثل التأخير ضبط نفس براغماتي. تتطلب أي حملة على إدلب قوة بشرية كبرى، والنظام يفتقر إلى القوة البشرية. سيكون الأمر صعبًا، فالمقاتلون الأجانب، ولا سيما من وسط آسيا، الذين عاشوا وقاتلوا في سورية لسنوات، ليس لديهم مكان يذهبون إليه وسيقاتلون حتى الموت. وسيدفع القتال المكثف موجة من اللاجئين اليائسين نحو الحدود التركية، التي قد تضخ حيوية غير مرغوب فيها في العمليات التركية في المحافظة. إضافة إلى ذلك، لا يريد أي من داعمي سورية، روسيا وإيران، أن يتم عدّهم كميسرين للكارثة الإنسانية التي يتوقع معظم المراقبين أن تنجم عن أي هجوم. ليس من المستغرب إذن أن تكون الأمور قد أُجلّت.

اسم المقالة الأصليSyria’s Three Wars
الكاتبستيفن سيمون، STEVEN SIMON
مكان النشر وتاريخهفورين بوليسي، FOREIGN POLICY، 26/9
رابط المقالةhttps://foreignpolicy.com/2018/09/26/syrias-three-wars-idlib-golan-assad/
عدد الكلمات924
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق