تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل تنتصر سورية الحرة كما انتصرت فرنسا الحرة نهاية الحرب العالمية الثانية؟

عندما استحضر اليمين الفرنسي المتطرف المقاومة الفرنسية في معرض توصيفه لحركة اللجوء السوري

في رد مهم لأستاذ التاريخ في معهد الدراسات السياسية في ليون لوران دوزو، على زعيمة الحزب اليميني المتطرف “الجبهة الوطنية” مارين لوبان، قارن فيه بين فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية وسورية الثورية في يومنا هذا، وفي ظل موجة اللجوء الهائلة التي اجتاح فيها اللاجئون السوريون القارة العجوز، هربًا من بطش نظام الأسد قبل ثلاث سنوات. وقد أعلنت لوبان آنذاك، في منتصف أيلول/ سبتمبر من عام 2015، أن “لدى كل شخص أسبابًا وجيهة للهرب من الحرب، ولكن هناك من لا يزال يقاتل، والأمر ذاته حصل للفرنسيين خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت لهم أسباب وجيهة للفرار من النازية والاحتلال الألماني، لكنهم مع ذلك عادوا للقتال ضد الألمان”، ويوضح لوران دوزو أن هذا الانتعاش المفاجئ، في الذاكرة التاريخية لزعيمة الجبهة الوطنية، كصب الماء على الماء.

ماذا فعل الفرنسيون عندما وصل الألمان إلى فرنسا أوائل أيار/ مايو 1940؟

حدثت معركة رهيبة، غالبًا ما يتم نسيانها، استمرت ستة أسابيع، وأدت إلى مقتل مئة ألف جندي فرنسي للدفاع عن فرنسا، وجرح مئتي ألف شخص، واعتقلت ألمانيا 1.8 مليون أسير، وبالمقابل خسر الألمان 45 ألف جندي، ومع ذلك، فالجيش المغمور عسكريًا تقدّم، وأدى تقدم الجيش الألماني إلى حركة نزوح جماعية تقدر بين ثمانية إلى عشرة ملايين فرنسي فروا من الألمان، أي ربع سكان فرنسا، حتى إنه لم يبق في مدينة شارتر الفرنسية سوى 800 نسمة، وكانوا 24 ألف نسمة قبل شهر فقط، فر الفرنسيون نحو الجنوب من دون خطة أو وجهة محددة.

هل غادر الفرنسيون إلى الخارج؟

قليل جدًا من الفرنسيين تمكن من النزوح للخارج، حيث إن هذا الأمر يتطلب كثيرًا من المال، والحصول على تأشيرة، وعلى ذلك؛ فقد فرّ ربع سكان فرنسا نحو الجنوب، بين شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو من عام 1940. وبعض المفكرين لجؤوا إلى الولايات المتحدة، أو أميركا الجنوبية، فيما غادر فرنسيون آخر البلاد بسبب استمرار القتال. فيما قرر قلة تشكيل مقاومة ضئيلة ومواصلة القتال، حتى قبل دعوة الجنرال ديغول في 18 جزيران/ يونيو من العام ذاته، حين أطلق دعوته الشهيرة بالمقاومة.

تقول مارين لوبان إن الفرنسيين “عادوا لقتال الألمان” بعد الهزيمة العسكرية، فماذا فعلوا؟

بمجرد توقيع الهدنة مع ألمانيا، عاد معظم الفرنسيين الذين فروا إلى ديارهم. بعد ذلك شعر البعض بالحاجة إلى القيام بشيء ما، لكن الأمر استغرق بعض الوقت، فعلى الجميع التعافي من صدمة الهزيمة. تدريجيًا، بدأت المقاومة الفرنسية -على قلّة عددها- رسم النقوش على الجدران لمناهضة المحتلين، ثم رسموا الفراشات لتعبر عن الحرية، ووضعوا ملصقات على الجدران، ثم ظهرت المنشورات، وصحف “تحت الأرض” مطبوعة على أوراق بسيطة، استغرقت هذه العملية ما بين أربعة إلى ستة أشهر بالمنطقة الشمالية من فرنسا، وحوالي السنة من المنطقة الجنوبية.

كانت المقاومة عدديًا أقلية طوال الحرب

سعى هؤلاء الأفراد إلى التقريب بين الأشخاص الراغبين في القيام “بشيء ما” ضد المحتلين، وهذه المجموعات الصغيرة سوف تتحول إلى حركات تدريجيًا، في الشمال كان الأمر سريع التحول، ولأن القمع الألماني تمركز في الجنوب فقد استغرق ذلك وقتًا أطول، لأن بيتان في ذلك الوقت كان شخصية تربوية تجمع الفرنسيين. ظهرت الحركات الأولى في النصف الثاني من عام 1941.

هل كان من الممكن تحديد قوة المقاومة وقدرتها خلال الحرب؟ وقوة وقدرة ميليشيات فيشي التابع للألمان عام 1943 وقدرة الألمان أنفسهم؟

من المستحيل تحديد قوى المقاومة، ما هو مؤكد أنها كانت من الناحية العددية أقلية طوال فترة الاحتلال، بل كانت هامشية في بداياتها، نتيجة تشدد فيشي وتصلبه، ووصول الألمان إلى المنطقة الحرة نهاية 1942، وفرض الخدمة الإجبارية على العمال الفرنسيين، مما سيزيد من صعوبة المقاومة مع زيادة الفرنسيين إلى جانب فيشي، لتبقى المقاومة أقلية، لكن أفكارها تنتقل تدريجيًا إلى أغلبية الشعب الفرنسي، وليس فقط بسبب هزيمة الألمان التي لم يكن هناك من مفر منها.

من جانبها كانت الميليشيا دومًا أقلية عددية، ما يجعلها أقرب للمقاومة، الفرق أنها في كفاحها الأيديولوجي بقيت أقلية حتى النهاية، لذلك لا يمكننا القول إن هناك يمينيين أكثر من اليمين، ومتطرفين أكثر من المتطرفين، سواء ميليشيا المحتل أو المقاومة الفرنسية، فيما بقي وسط فرنسا هادئًا، لأن الأمر كان أكثر تعقيدًا.

حاولت مارين لوبان في بيانها قبل سنوات حول موجة اللجوء السورية، استعادة إرث المقاومة الفرنسية، فما الجديد في هذا؟

هذا أسلوب وتكنيك قديم جدًا في فرنسا، حاول اليمين الفرنسي المتطرف الممثل بالجبهة الوطنية إثارته، فبعد نهاية الحرب، مجّد الشيوعيون المقاومة، التي كانوا فيها قوة كبيرة. لكنهم حاولوا إيصال فكرة أن المقاومة كانت انتفاضة شعبية واسعة، وأن المواطنين الفرنسيين كانوا المهندسين الأساسيين للحركة.

فاستحضار المقاومة الفرنسية أسلوب قديم في فرنسا، لكنه جديد على الجبهة الوطنية الفرنسية التي جاءت كما يبدو لمنع قبول اللاجئين السوريين وحثهم على المقاومة.

استخدم الديغوليون المقاومة أيضًا على نحو واسع، لكنها كانت أكثر نخبوية، إذ عيّن ديغول 1036 رجلًا للتحرير فقط، لكنه كرّم ستين ألفًا وقلدهم ميدالية المقاومة، بالمقابل لم يطالب الاشتراكيون بالكثير من إرث المقاومة، بينما كان العديد منهم مقاومين.

تجدر الإشارة هنا، إلى أن من الغريب أن الجبهة الوطنية الفرنسية دافعت عن موقف فيشي خلال الحرب عام 1972، واليوم بعد أحداث سورية تُحيي المقاومة الفرنسية، وتدعو السوريين للعودة والقيام بذلك ضمن خطابها الشعبوي؟ والمعروف أيضًا أن والد مارين لوبان، قبل أن تزيحه عن زعامة الجبهة الوطنية في آذار/ مارس العام الجاري، قد دافع عن نظام الأسد عام 2012، وأدلى بتصريح إذاعي: “بشار الأسد هو رئيس الحكومة الذي يواجه تمردًا سلميًا ومسلحًا”.

ما الصلة التي تجمع فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية وسورية اليوم؟

فرنسا كانت تواجه عدوًا شائعًا ومعروفًا بالحرب العالمية وهو ألمانيا النازية، سورية تواجه نظامًا قمعيًا تابعًا لروسيا وإيران، والسوريون عالقون اليوم في هذه المواجهة.

المقاومة في فرنسا قابلتها الثورة السورية من الجنوب التي انطلقت من درعا عام 2011، بينما انطلقت  في فرنسا من المنطقة الحرة في الشمال، وكما يبدو انتقل ثقل المقاومة السورية أو الثورة للشمال بالمنطقة المحررة من إدلب وريف حلب وحماة.

عندما نزح عشرة ملايين فرنسي بسبب الحرب العالمية، كانوا عالقين بين حريقين، وهذا ينطبق على ملايين المنفيين السوريين، حيث كانوا في عام 2015 بين حريق بشار الأسد والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) آنذاك.

فهل ينتهي الحريق السوري، كما انتهى الحريق الفرنسي بانتصار فرنسا الحرة، وبالتالي انتصار سورية الحرة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق