هموم ثقافية

المسرح والاستعمار

إنَّ روحنا العربية ما تزال روحًا وحشية، ربَّما ما بعد الاستعمار والاستقلالات الظاهراتية، تبدَّل شيءٌ في هذه الروح، وصارت روحنا روحًا، ذاتًا مقموعةً سقطت رغباتها وأهدافها الخالدة بتحقيق حياة حرَّة تنتج فكرًا وعلمًا ومعرفة. على أنَّ معظم نتاجنا المسرحي (كمًّا) كتابة وعروضًا، كان كمن يقوم بخلط الزيت بالماء، وذلك تأكيد على أنَّنا لن نحصد نتائج أبدًا طالما أنَّ (اللا) مسرحيين أو موظفي المسرح صاروا أو منحوا أنفسهم سلطات أصحاب التأويل في الإقصاء والنفي والإلغاء. ما يعني أنَّ العقل توقَّف عن إنتاج المعرفة الإبداعية، وبالتالي فإنَّ تأويلات مثل هؤلاء، حتى نصوصهم التي يكتبونها، ستبقى خارج نطاق المراكمة التاريخية، التي هي أساس أيِّ تقدم معرفي. الأمر الذي سيحوِّل العقل إلى أداة لتكريس الجهل، وستتحوَّل تأويلاتهم وما يخطُّونه من مسرحيات ونقد مسرحي، إلى (نعش) للعقل.

لماذا المسرح؟ لماذا ننتج كل هذه العروض ونقيم كل هذه المهرجانات؟ ما الغرض أن نأتي بالشجرة أو بنبع الماء أو بالشمس إلى خشبة المسرح، إذا لم يكن هناك سبب لوجودها فوق خشبته؟ ثمَّ، أليس الأمر أكثر فائدةً وربحًا للبشر إذا تركناها في هذه الحالة في الحديقة أو في الأرض أو في السماء؟ ثمَّ هل كان عندنا مسرح عربي (نصوص وعروض) في مرحلة الاستعمار، قاومت توحُّش وتغوُّل المُستعمر في الحياة العربية؟ وهل شكَّلت هذه المسرحيات جدلًا دراميًا ثوريًا بين طرفي المعادلة المستعمِر والمستعمَر؟

على صعيد الواقع، منذ ما قبل الاستعمار لم نصنع ولم نضع استراتيجية عربية للمسرح. حتى في السياسة، السياسيون عندنا ليس عندهم استراتيجيات. بل عندنا قدرة خارقة على التكفير والنبذ الاجتماعي، مع أنَّ الاستراتيجية ضرورة لأيِّ مشروع سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، ومن أولوياتها التسليم بحق الآخر في التفكير وحق الاختلاف. لقد تعلَّمنا تاريخيًا أن نقوم بعمليات إجهاض حرية العقل، في التفكير الحر الذي يرفض التسلط وتكفير من يختلف أو يتخالف معه. المسرح ضد قهر الرأي الآخر، أيًا كان شكله أو لونه أو عقيدته. المسرح فعل، صراع تطهيري في جانب منه، لأنَّه ضد الفكر الذي يستند إلى القوَّة أو يستمد مرجعيته/ قوَّته من الإرهاب والاضطهاد، لأنَّ هذا الفكر كثيرًا ما خان الطبيعة، خان الوجود والطبيعية التاريخية التي أنتجته، فالخصوصية (القومية) العربية ما تزال خجولة، وما أزالُ خجولًا من ذكرها، لأنَّها لا تملك الجرأة لتكوِّن شخصيتها العالمية، إنْ في المسرح أو في العلوم والمعارف الإنسانية، أو حتى في الملاعب الرياضية.

وبالنظر إلى المسرح، وأيضًا إلى الفلسفة، باعتبارهما (الثلاجة) التي حفظت العقل اليوناني وبالتالي الأوروبي من التلف، وباعتبار أنَّهما مارسا دورًا نهضويًا وتحرريًا، فإنَّنا عربيًا -حتى الآن- لم نستفد منه رغم مضي أكثر من مئة وستين عامًا على اختراعه واكتشافه وميلاده، وذلك -في رأيي- يعود إلى أنَّ العلاقات الاجتماعية والثقافية بين العرب والعرب (مقطوعة)، وأنَّ معظم الأيديولوجيات من تلك السماوية إلى تلك الأرضية غلَّبت ذاتها/ فكرها وفلسفتها على الإنساني، في أنَّ خطابها أنساقه إنسانية قبل أن تكون وطنية وقومية، فتغلبت خصوصية الأيديولوجيات/ العقائد على عمومية حياة البشر ومطالبهم، فوقعت في المحظور، في سوء معرفتها وفهمها للمعرفة التاريخية. لأنَّ هذه الأيديولوجيات كانت تعتبر -وما زالت- أنَّها (ماهيات خالدة)، ومن ثمَّ فقدنا أو افتقدنا تلك اللحظة الحاسمة التاريخية، افتقدنا اللحظة التي تقوم فيها ثورةٌ مثل تلك الثورة الفرنسية، أو يتدخَّل أشخاصٌ عظماء يقلبون التاريخ العربي رأسًا على عقب. وهذه -حتى الآن- هي مسرحنا، يلعب عليها، وهو يدركها، كما في مسرح: عز الدين المدني، سعد الله ونوس، نعمان عاشور، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، يوسف إدريس، ميخائيل رومان، عبد القادر علولة وآخرين. ما يعني أنَّ مسرحنا العربي كأنَّه سيِّئ الحظ، لا حظَّ له مع اليمين، ولا مع اليسار، ولا حتى مع الوسط، فهو يُقهر ويُقيَّد من الدخلاء على المسرح/ سدنة التاريخ وقوادي الاستبداد والتخلف الذين لم يتحرَّر عقلهم من الكيانات الخرافية الأسطورية – الميثيولوجية. وهذا ممَّا يعوق قوَته، يُبعثرها فتتهيَّأ للاستعمار، ومن في حُكمه، (فرصة) قتل الفكر الذي يقود الفعل الذي يولِّد الوعي، لا سيما أنَّنا (أمَّة) عاطفية تحلم بمن يعطيها الحرية المطلقة، والحقيقة المطلقة، والعدالة المطلقة. وسؤالي: لو أوتيت لنا هذه المطلقات؛ هل ننتقل إلى تلك اللحظة المميَّزة؛ فتنفجر(الثورة) لنصنع مشروعنا النهضوي؟ برأيي، (لن) ننتقل، لأنَّه لن يُسمح للعقل المسرحي من قِبَل الاستعمار وأعوانه، أن يتلاقى مع التاريخ في المعرفة وكذلك في الفلسفة. نحن كأمَّةٍ، ما تزال (سلفية)، عندنا مشكلتان: الأولى مع الفلسفة، والثانية مع المسرح. وبذا نحن كمن ما يزال يعتقد أنَّ الأسد إذا جاع يفترس أسدًا، إنَّ الأقوى يأكل الأضعف، وهذا قانون الطبيعة، ووحده الفكر الذي يقود إلى الفعل فالوعي، وهو من يلعب في التاريخ، وهو من يُعلن مجيء (الوجود). فنحن -تاريخيًا- لم نلعب، وإذا لعبنا فإننا لا نميِّز أنَّنا نُقاد إلى المذابح، كما الحيوانات الخرساء- اللا مقاومة. من الصعب جدًا أن تقود نمرًا أو ليثًا إلى المذبح. هو لا يوافقك، يقاومك، وأنت تخشاه، لا تقترب منه، هو يفترسك. الاستعمار كذلك يفترسك أيًا كان عرقه. خذ كل الحروب التي قامت في التاريخ، ألم تقم على أسر وجلب النساء الحسناوات وسبائك الذهب والعبيد؟ لقد كان المستعمر حينها نادرًا ما يستوطن، كان يأخذ الغنائم ويرجع. لم يفعل كما فعل فيما بعد البرتغاليون والفرنسيون والبريطانيون والإيطاليون والهولنديون فيستوطنوا. ومن ثمَّ مع نشوء الاستعمار الحديث ما بعد حالة الاحتلال العسكري، كالأميركي، ومن ثمَّ (التروستات) الإمبريالية، وما بعد الحداثية التي لا هوية ولا جنس لها، فتقوم بالسيطرة أو بالهيمنة، أو بكليهما معًا على ثروات العالم. وفي كل هذا وذاك، ثمَّة (بطل) يُغيِّر، وإن كان تغييره في لحظةٍ ما قاد إلى صنع حضارةٍ، كما حدث مع “قيصر” حين بالصدفة أشاد إمبراطورية روما، و”الإسكندر” حين وُلدت على يديه الحضارة الهيلينية.

إنَّ المسرح، حتى يصير مسرحًا، يحتاج إلى (أبطال)، إلى فرسان ثقافة يعطون الحياة بإبداعاتهم ديناميكية حقيقيةً في المجتمع، وكأنَّ هؤلاء قلائل أو تعدمهم في الحياة العربية، بصراحة: إننا بحاجة إلى فلاسفة وشعراء وموسيقيين ومسرحيين وروائيين وأيضًا، إلى أنبياء مجانين وعصابيين، فكرهم يسبق فعلهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق