تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“الركبان” الصورة والرواية للاجئين

“العلاقة، بين ما نرى وبين ما نعلم، ليست محسومة إطلاقًا ولن تحسم أبدًا”

الروائي البريطاني جون بيرغر

توتر العلاقة، بين الشواهد المرئية الراهنة والمعروفة مسبقًا، يومئ إلى هذا المقتطف أو العنوان الذي أتى به المفكر البريطاني قبل أربعة عقود، ويُشكل إحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه الضمير العالمي في مسائل الحسم، مع ما يتعرض له السوريون. يفعل هذا التوتر فعله على مستويات عديدة، بين ما نراه ونسمعه من صرخات السوريين، في مخيم الركبان على الحدود السورية الأردنية – العراقية، ومقتل شخصين بفعل الإهمال الطبي، وطريقة مقاربة الصرخة التي أطلقها السوريون، في أماكن التهجير المتعددة على البر، وفي البحار، وعند الأسلاك الشائكة للحدود، إلا أن صرخات المخيم الجنوبي، الذي يتعرض لحصار وتهديدات ومطالبة روسية بعودة سكانه إلى حظيرة الإخضاع الأسدي، لن تكون محصورة فقط هناك، إذا أخذنا بالحسبان المصير المعلّق لإدلب وملايين النازحين فيها، مع مصير بقية اللاجئين السوريين حول العالم.

في لبنان، والأردن، وتركيا، صورٌ ملتقطة يتم التعامل معها بحيطة وحذر، ويُشبع بعضها بالأفكار العنصرية للتعاطي مع اللاجئين، وتقود إلى نزعة تصنيفهم إلى “أنواع” جيدة وضارة ومسببة لكثير من المشكلات، ولم تعد تلك التصنيفات مرتبطة بأفكار غربية ونمطية عن الشرق في القرن الماضي، هنا تأريخ جديد يعكس الصفات المرتبطة بذهنية الاستبداد والطغيان عن المجتمع “الجاهل والساذج والإرهابي”، وأحيانًا بلا “إحساس بالشرف”، وبما أن معظم الصور التي التقطت، للتعاطي مع اللاجئين السوريين في تلك البلدان، تهدف إلى الضغط على السوريين أكثر من توفير الحماية؛ فإن ذلك خلق جملة من المشكلات المضافة إلى كاهل اللاجئ، يمكن إدراجها في خانة الغضب والسخط عليه، لخروجه عن طاعة الطاغية.

الأمم المتحدة تشكل -نظريًا- الهيئة العليا للقانون الدولي، ويُعدّ ميثاقها بمثابة النص الذي يحدد الخطوط العريضة لمبادئ القانون الدولي الأساسية التي يتعين على الدول جميعها الالتزام بها، وكان البعض في الماضي يرمي المجتمع الدولي بعبارة “الكيل بمكيالين”، في تعاطيه مع قضايا كبرى تتعلق بالقضايا العربية ومنها الفلسطينية، إلى أن أصبحت جرائم النظام السوري ضد المجتمع توفر ألف مكيال في التغاضي عن جرائمه، أضف إلى ذلك أن تعاطي المجتمع الدولي والدول المستضيفة للاجئين، يُفترض أن يساهم في معالجة قضيتهم، من ناحية إنسانية على الأقل، إلا أن مناقشة قضية اللاجئين السوريين والنازحين أصبحت بابًا للمزايدة السياسية والانحدار الأخلاقي، في ترك المجرم يشهر كلّ لحظة إصبعه الأوسط في وجه المجتمع الدولي.

موسكو وطهران تجتهدان في وأد هذه القضية، مع إعجابهم الشديد بآلاف المكاييل الغربية والدولية المتساوقة معهم، للتغاضي عن الجرائم المستمرة بحق المجتمع السوري، بطبيعة الحال ستكون حالة الركبان والزعتري أو عرسال، غير بعيدة عن حالة القهر والظلم التي أصابت اللاجئين في مناطقهم الأصلية داخل مجتمعهم، والحقيقة التي يجب ذكرها في هذا الخصوص هي النشاط المتزايد خلف الكواليس، للتخلص من قضية اللاجئين السوريين، وحصرها بالمسألة الإنسانية، مثل توفير أو عدم توفير الرعاية الصحية أو ظروف النزوح القاهرة، وتحويل المخيمات إلى ما يشبه مراكز الاعتقال الجماعي. كل تلك العوامل تشكل أهدافًا للضغط على السوريين، للعودة إلى حضن القاتل.

ملف انسحاب المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، من قضية التهجير ومن قبل ذلك التغاضي عن مختلف الجرائم، هو لإغواء النظام باستمرار قبول مهمته الإجرامية، وبأن ساعة الصفر قد حانت لعودة السوريين إليه، كما يُروّج بعض أعضاء الأحزاب العنصرية والفاشية في المجتمعات الغربية المهرولين للقاء الأسد ونظامه، الذين يبشرون بأن الحضارة الإنسانية التي كانت تشجب وتدين هذه الأساليب، هي محط ترحيب بالغ بالأسد، الذي كان محوره “الممانع” يعاني من عقدة الكيل بمكيالين؛ فأصبح هو المكيال الناظم لكل الفظاعات البشرية فوق المجتمع السوري.

على كل حال، لا يمكن تبرير الجرائم ضد المدنيين السوريين وممارسة الضغوط عليهم، وقد أدت إلى خسائر وفظاعات ترتقي إلى جرائم الحرب، بما فيها أوضاع اللاجئين في بعض الدول المحيطة، وإن أي محاولة تسلكها موسكو وطهران وتل أبيب لإحلال واقع جديد، يقبل بالمجرم الأسد، ولا يأخذ حقائق الصورة الأصلية لثورة الشعب السوري بعين الاعتبار، ولا يعتمد على معالجة قضية التخلص من الطاغية من جذورها، لن تؤدي إلى فرض سلام للمجتمع السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق