أدب وفنون

ندبة على شكل عصفور

تُغريني صَدَفة البحر بانحنائها كأميرة تسقي زهور حديقتها في المساء، عرشها الـ لا مكان، وخلودها يتبع صوتها ككلب عجوز، أيّ كحل ذاك الذي خط رحلتها من الأعماق، حتى غدا كوجهي عند الحنين؟

أي ذكريات طعنت جلدها بتلك الندبات، لتصير جدّة تحيك ورق الشجر لأضواء النهر؟

لطالما تخيلتُ أن هناك امرأةً عاشقة حتى الموت تنام في جوفها، كنت أحسدها على هذا النسيان الغارق في الحبّ لأجل الحبّ ولا شيء سواه، امرأة حبلى ترميها الأحقاد والغيرة والفقد خارج بيتها؛ فترتدي ألوان اليتم طيلة حياتها، ما إن تضعها على أذنك حتى تسمع أين عاش هذا المخلوق المرهف، ومن كان صديق سفره الطويل، حتى وصل إليك؟

كانت جدتي تقول إنني أصير حوريّة، إن استطعت يومًا فهمَ ما تقوله الصدفة.

تموجات اللون الرمادي فوق جسدها كطريق ريفي مختبئ بين الضباب، لا يرتاده سوى العشاق.

أقلبُها بين يديّ كموجة، بينما تدسّ الظهيرة حبوب المنوّم في كؤوس الشاي، وتفتح حقائبها في الهواء بعد أن نام الجميع.

أجلس على شرفة طفولتي، أرقب أزهار أمي على الحافة، وصواني دبس الطماطم، أرنو إلى آخر الطريق، أريد نبضًا بقي على حاله ولم يندثر، مع فوضى الحرب وطوب الإسمنت، والبناء الجديد الذي حجب الشمس عن زهور أمي.

الطبيعة تكمل بعضها، وكما تنقرض العاصفة تموت آلاف الأشجار في انتظار من يرمي بذورها بعيدًا.

حافظ جدار جيراننا على خربشاته القديمة، أو حافظت تلك الخربشات على جسدها، ساعدها المطر والغبار وأحاديث المارة ذاتها منذ ألف سنة على الحياة، كأنها أدارت ظهرها ولم تنتبه إلى الموت الذي نصب خيمة في حارتي، بدت أكثر جمالًا وقوةً ولمعانًا، كما لو أنها كتبت بالأمس.

منذ عشرين سنة، كتب أخي الأكبر الحرف الأول من اسمه واسم حبيبته، ووضع بينهما علامة زائد، الطريقة التي عبّر بها كل أبناء جيلي عن عواطفهم، عندما لسعتهم حرارة الحب للمرة الأولى وربما الأخيرة.

تأخذني تلك العبارات العشوائية التي تكتب بسرعة على الحائط، ويتركها أصحابها تنمو بعيدة عنهم، وإن حدث ومرّوا قربها يومًا، أظنها هي من تتذكرهم وتتعرف إليهم، أظنها تبكي، ربما لأنني بنت هذه الحركات، لطالما خططت أشعارًا وأقوالًا أحبها على جدران المدرسة، وحفرتها على الأشجار وقرب المدخل الصخري لقلعة صلاح الدين، إنها يومياتنا مكتوبةً ومحفوظةً ليس في دفتر مسطر بصفحات بيضاء، بل في الطبيعة التي تشبهنا متروكة للمطر والريح وأنين المارة.

لم يتزوج أخي حبيبته التي يبدأ اسمها بحرف (سين)، ولن يصدق أحد ما عندما يرى وجهه أنّ هذا الحرف هو حرف اسمه، لقد صار اسمًا آخر له، سمعته وصوته وطريقته في الضحك والكلام والأكل والمشي ومعاملة طفلته وزوجته، وليس هناك من شبه بين حرف اسمه المنقوش بالحبر الأحمر وسط الجدار وملامحه الآن، تزوج إحدى أقرباء أمي، معلمة المدرسة، التي تحب تنفيذ أوامره أكثر من مهنة التدريس ذاتها.

أما الحرف (سين)، فلقد كانت صاحبته صديقتي، لن أبوح باسمها، بل سأتركه ريشةً هائمةً فوق غابة خضراء، (س) كانت صديقتي في المدرسة، كم كنت معجبة برقتها وأنوثتها وجرأتها التي تذهب بها إلى المدرسة بصحبة كرة القدم على خصرها، كانت تعشق تلك اللعبة وتحفظ أسماء لاعبي المنتخبات والفرق ومواعيد المباريات، وكان صبيان المدرسة يعشقونها، حتى إن أستاذ مادة الرياضة سليم وقع في هوى عينيها الخضر وقامتها الطويلة، وتقدم إلى خطبتها وهي ما زالت في سن السادسة عشر.

في زيارتي السابقة إلى بيت أهلي، أخبرتني أمي أن (س) طُلِقت من الأستاذ سليم، وسافرت في البحر مع طفليها إلى ألمانيا رغبةً في اللجوء، وكانت أمها تبكي طيلة الوقت على ابنتها مخافة أن يكون مصيرها مثل كثيرين ممن هاجروا في البحر: الغرق.

(س) لم تتغير، وضعت طفليها على خصرها وسافرت في البحر، ولم تترك حرف اسمها على الجدار دون رائحة.

تمرُّ حياة أخي، كغريب أمام الجدار، كل يوم تنفث الدخان وترمي أعقاب سيجارتها في الهواء.

بعد عشر سنوات، جاء أخي مجد وخطّ حرف اسمه الأول وحرف اسم حبيبته راسمًا قلبًا كبيرًا بينهما.

في بداية الحرب وبداية الحب، مات مجد وعمره إحدى وعشرين سنة، وغاب صفيره على حافة الشرفة، لصاحبة الحرف (باء)، وصار غيمةً بيضاء.. وضعت أمي صورته ذات الشريط الأسود، فوق عتبه باب الدار، ولم تتقصد جعل صورته تلك تقابل ما خطته أصابعه قبل أن يغادرنا.

لم أكن أعرفها عن قرب، كانت ابنة جيراننا، رأيتها للمرة الأولى في نهاية أسبوع العزاء، دخلتْ إلى غرفتي وبكت في حضني، ثم شهقت وهي تخبرني أنها تريد دفتر مذكرات أزرق كانت تتقاسمه هي ومجد كل يوم.

نتعرف إلى الموتى أكثر عندما يزورنا من كانوا أقرب الناس إليهم، لم أكن أعلم أن مجد لا يحب فقط أن يكتب على الجدران؛ بل يعشق الدفاتر والذكريات وأوراق الجوري اليابسة التي تساقطت بين يدي، وأنا أناولها الدفتر.

تزوجت (ب) من طبيب يقيم في قرية نائية، رأيتها مرة واحدة بعد وفاة أخي، وسط السوق، تمسك صغيرها بيدها وبالأخرى تمسك يد زوجها، ابتسمتْ لي دون أن تقول شيئًا.

على الجدار الذي تسلقت فوقه حياتنا وعاشت لسنين طويلة، وهي ترمقنا كيف نحيا ونغيب ونختنق ونجثو كقطط في قيعانها، ينفر ثقب دائري مخصص لدخان المدفأة في الشتاء، وعند الربيع تنذره الطبيعة عشًا للعصافير، كان الصبية يأتون عند العصر ليسرقوا البيض، أو كي يخنقوا الفراخ ويدمروا العش، وكنت أتعارك معهم بالحجر، سلاحي الوحيد في الطفولة، الذي لم يُصب أحدًا غيري، فبينما كنت أدافع عن العش أصابني حجر أحدهم تحت حاجبي، “ولولا قدرة الله لكانت عيني عبارة عن حجر”.. هكذا قال الطبيب لأمي.

على اليمين، ما زال العش ينتظر أن ترمقه العصافير المهاجرة بنظرة، يحلم أن يصيبه أحد الصبية الذين قتلتهم الحرب بحجر صغير، بينما ترقد تحت حاجبي الأيسر ندبة على شكل عصفور.

أضع الصدفة على أذني وأتلمس الندبة تحت حاجبي، أسمع صوت عراك الصبية عند العصر، وصفير أخي مجد على الشرفة، وأشم رائحة حساء العدس، تخرج مع دخان المدافئ أعلى الجبل، وأرى (س) في البعيد بضفيرتيها الصغيرتين، تتأبط كرتها البيضاء منتظرة أخي تحت شجرة الزيتون.

·        اللوحة للفنان السوري أسعد فرزات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق