تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إحدى عشرة أسطورة روسيّة عن سورية

تدخل المستشارون العسكريون الروس منذ بدايات الثورة السورية، وكانت تدخلاتهم في تصاعد، إلى أن جاء تدخلهم العسكري المباشر، لإنقاذ نظام الأسد المنهار وحلفائه من الميليشيات الشيعية بقيادة إيران، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، وقد فضحت الثورة السورية أساطير هذا التدخل الذي لم يحقق أيًّا من أهدافه المعلنة.

قامت العقيدة البوتينية على مبادئ “الستالينية الجديدة”، أو ما سميت “النيوستالينية” في سورية، التي تقوم على تأييد النظام الوحشي في سورية، وإنكار الفظائع التي ارتكبها النظام، ومن ثم ارتكبتها روسيا، ونظريات المؤامرة، ضمن ما تطلق عليه مناهضة الإمبريالية، التي كانت تتميز بصفتَي الرعونة والحمق، والسخرية من معاناة السوريين وإنكارها.

هذه الأساطير يمكن كتابتها بالترتيب ويمكن تفنيدها، وإن الإنجاز الوحيد الذي حققته روسيا، في حربها الرعناء على الشعب السوري، هو زيادة المساحة التي يسيطر عليها نظام الأسد، وبالتالي زيادة التمدد العسكري الروسي في سورية.

وأستعرض هنا عددًا من تلك الأساطير القائمة على الخداع والدعاية الروسية للداخل والخارج الروسي.

أسطورة الحرب المقدسة

عندما تقدمت القوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية نحو موسكو؛ أعلن ستالين الحرب الوطنية، وأعاد رجال الدين في الكنيسة الأرثوذكسية، وهو من هدم كنائسهم، واستبدل صلبانهم وصور السيد المسيح بصوره في بيت كل روسي. والعقيدة النيوستالينية البوتينية استخدمت الدين لذات الغاية، إذ بارك كبيرُ قساوسة الروس تدخل بوتين في سورية، وأعلنها حربًا مقدسة، وبارك الصواريخ الروسية التي تنهال على رؤوس المدنيين السوريين، وتهدم مدنهم، مثل حلب ومدن الغوطة الشرقية وغيرها، وقد أفرزت هذه الكذبة انشقاق الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، التي أسقطت بالتالي هذه الأسطورة.

أسطورة إنهاء الحرب السورية من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر

عندما أعلن بوتين تدخله العسكري المباشر في سورية، نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، أعطى الأوامر لجنرالاته بإنهاء تلك الحرب بمدة، من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، واليوم دخل هذا التدخل عامه الرابع، دون تحقيق النتائج المعلنة، بل إن الحرب السورية تبدو بلا نهاية.

أسطورة محاربة الإرهاب

عندما تدخل الروس بشكل مباشر، أعلنوا حربهم على الإرهاب، لكنهم استهدفوا المعارضة المعتدلة بنسبة تسعين بالمئة، ولم يستهدفوا (الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش) إلا بنسبة عشرة بالمئة من هجمات الروس الصاروخية وغاراتهم الجوية.

أسطورة سورية المفيدة

تبنى الروس مبدأ سورية المفيدة، في بدايات تدخلهم العسكري، التي تقوم على السيطرة على الخط الطولي من الشمال للجنوب للمدن السورية التاريخية، من حلب إلى حماة لحمص لدمشق، إضافة إلى مدن الساحل السوري، في الوقت الذي تفقد سيطرتها على المناطق المفيدة فعليًا، من ناحية الثروات (النفط والغاز) والسلة الغذائية السورية من قمح وغيره.

أسطورة نزع السلاح الكيمياوي

بعد هجمات نظام الأسد الكيمياوية على الغوطتين الشرقية والغربية بدمشق؛ هدد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بمعاقبة الأسد، لكنه تراجع لمصلحة مبادرة روسية بنزع ترسانة الأسلحة الكيمياوية السورية وتسليمها للأمم المتحدة لتدميرها، حسب إعلان موسكو، لكن الأسد عاد واستخدم الأسلحة الكيمياوية عشرات المرات، ضد المدنيين السوريين، مثل قصف (خان شيخون)، الذي ردت عليه الولايات المتحدة بقصف مطار عسكري وسط البلاد، ثم عاد واستخدمه في دوما في نيسان/ أبريل 2018، فردت عليه الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بغارات وهجمات صاروخية أشبه بالتجميلية، واكتملت فصول الفضيحة الروسية بالقبض على مشتبه بهم روس، حاولوا تغيير معطيات التحقيقات بهجمات الكيمياوي في هولندا.

أسطورة مناطق خفض التصعيد

حاول الروس إعطاء متنفس للنظام السوري، وإيقاف أو عرقلة تقدم المعارضة السورية الهائل التي كانت تسيطر على أكثر من تسعين بالمئة من البلاد قبل التدخل الروسي؛ فكانت اتفاقية “مناطق خفض التصعيد” أواخر شباط/ فبراير 2016، وكانت فعليًا لمصلحة النظام الذي لم يوقف غاراته وهجماته الصاروخية وحصاراته لجيوب المعارضة في دمشق ومحيطها، في الوقت الذي توقفت المعارضة السورية عن التقدم في المناطق الحدودية؛ ما سمح باستمرار الغارات الجوية الروسية على منطقة تلو الأخرى، ولتسمح بما أسمته استراتيجية تعفن المناطق المحررة من النظام تارة، عبر محاصرتها، وتارة أخرى عبر اتفاقيات مع دول الجوار الحدودية، وبالتالي تهيئة الأجواء للسيطرة في وقت لاحق، كما حدث في المنطقة الجنوبية: درعا والقنيطرة.

أسطورة القواعد البحرية الروسية في المياه الدافئة

خسرت روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كافة أماكن سيطرتها في العالم، وخاصة العالم العربي، كما خسرت حلفاءها التقليديين من الأنظمة الشمولية العربية واليسارية، مثل ليبيا والعراق واليمن، بل إنها خسرت فنزويلا وكوبا، وبالتالي لم يبق أمامها إلا سورية، بعد خسارتها أوكرانيا التي دوّلت بدورها شبه جزيرة القرم، لكي تتمكن من استعادة جزء من دورها، وقد نظرت إلى سورية على أنها “قلعتها الأخيرة”، كما يذكر ذلك الجنرالات الروس، فكانت فيها قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس البحرية، ومع ذلك، تعرضت تلك القواعد لهجمات دائمة بطائرات مسيّرة، دمّرت عددًا من طائراتها وأسقطت العديد من جنودها، بالرغم من تحصيناتها وتقنياتها العالية.

أسطورة أمن موسكو من أمن دمشق

زعمت روسيا أن الكثير من المقاتلين الإسلاميين الروس يقاتلون في روسيا، وأن أمنها القومي يتعرض للخطر، في حال توسع أولئك الإسلاميين المتشددين من الشيشان وتركستان، وأن سورية ستصبح بالتالي قاعدة انطلاق لهم لتهديد أمن روسيا، فأذاعت الدعاية الروسية القائمة على الستالينية الجديدة، بأن “أمن موسكو من أمن دمشق”، وبالتالي قامت تبرير دعمها للنظام السوري، واستمرار تواجدها على الأراضي السورية.

أسطورة أستانا وسوتشي

سهّلت أستانا وسوتشي تنفيذ مخططات الروس بذريعة “مناطق خفض التصعيد”، ولكنها فشلت في فرض دستور سوري جديد، أو فرض معارضة سورية للنظام على مقاس النظام، أو جمع كافة أطياف المعارضة السورية بمختلف منصاتها، أو إنجاز مرحلة انتقالية وفق جنيف 2، قد تكون أفرغت جنيف 2 من محتواه، لكنها فشلت في تأسيس مشروع وطني سوري جامع يحاسب مجرمي الحرب، وعلى رأسهم النظام السوري، الذي تدافع عنه، وبالتالي فإن أسطورة أستانا وسوتشي سقطت مع استمرار الحرب السورية.

أسطورة إعادة اللاجئين

ساهمت الهجمات الجوية الروسية في تهجير ما يزيد عن مليوني سوري، داخل وخارج سورية، ولم تتمكن من إعادة السوريين المهجّرين، حتى الذين داخل سورية، لمناطقهم التي دمرتها، وزعمت عودة 15 ألف سوري من لبنان التي يقيم فيها أكثر من مليون سوري، وتحاول بائسة إقناعَ كل من تركية والأردن وألمانيا، وحثهم على إعادة اللاجئين السوريين، ولكنها لم تُفلح، في ظل وجود النظام القابع في دمشق.

أسطورة إعادة الإعمار

طالب بوتين -وما زال- المجتمعَ الدولي، بضرورة إعادة إعمار سورية التي دمّر مدنها بطيرانه، بينما استهجن المجتمع الدولي بالمقابل هذه المطالب، واشترطت كل من أوروبا والولايات المتحدة، تحقيق شرط الانتقال السياسي السلمي للسلطة في سورية. وهو ما لا يمكن تحقيقه بالأفق القريب.

أخيرًا، اعترف نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بتعثر الدور الروسي العبثي في سورية، عندما وصف الوضع السوري، في لقاء له مع الصحفي الفرنسي في لوبينيون أوسكار أيرولت، بقوله: “النور في سورية موجود، لكننا لم نجد النفق بعد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق