تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

دي ميستورا والاستقالة المتأخرة

أعلن المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، نيته الاستقالة الشهر المقبل، بعد أربعة أعوام مثيرة، جاءت بعد استقالة المبعوث السابق الأخضر الإبراهيمي في العام 2014، وكانت سيئة السمعة والسلوك، لجهة شهادة المنظمة الدولية على جرائم النظام، وهي الفترة التي شهد فيها السوريون مع فترة دي ميستورا انقضاض النظام وحلفائه على معاقل الثورة، ومدن وقرى سورية التي تحولت إلى حطام، وهي الفترة التي اتسمت بعجز وضعف المنظمة الدولية للتحرك حيال جرائم الحرب والحصار والجوع، والقتل تحت التعذيب، إلى ملفات التهجير والتغيير الديموغرافي الذي كان لتواطؤ المجتمع الدولي، بشخص دي ميستورا، الدور المهم فيه، فإلى ماذا ترمز استقالة دي ميستورا اليوم؟

مرّت القضية السورية بعدة تطورات عسكرية وسياسية، كان من أبرزها التدخل العسكري الروسي المباشر قبل ثلاثة أعوام، الذي أدى إلى ما أدى إليه، من إحداث تغييرات بنيوية لجهة سيطرة المعارضة السورية المسلحة، وتغيير خارطة السيطرة، إضافة إلى إحداث منصة أستانا وسوتشي، وهي التي كانت موضع استحسان دي ميستورا، لوجوب البدء في مفاوضات فورية تحت رعاية مناسبة من موسكو حققت فيها إنجازات، خصوصًا لجهة شاهد الزور الأساس (دي ميستورا) على مصير ما تمخضت عنه مناطق “خفض التصعيد”، وقد وصفها بـ “الخطوة الواعدة”، التي انتهت إلى القضم والتدمير على مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي كان يمثله دي ميستورا في سورية.

استخدام السلاح الكيمياوي، وغاز السارين والكلور، ومختلف أنواع الجرائم وتراكم الجثث، كلها كانت في عهد المبعوث المستقيل، إضافة إلى تسريبات مخيفة وصادمة عن جرائم مختلفة، كصور قيصر وإنشاء الأفران لحرق الجثث، وآلاف الشهادات والوثائق التي تثبت ارتكاب الجرائم المختلفة التي تدين النظام وعصاباته المختلفة، لا صرخات مدوية للاحتجاج، ولا ترك لمسرح الجريمة ورفض شهادة الزور، وهي شجاعة لم يتحلّ بها دي ميستورا، بل كانت فضائح المنظمة الدولية أكثر، لجهة التواطؤ الذي حصل في ليّ ذراع المجتمع الدولي لاستخدام المساعدات الدولية للمناطق المحاصرة، فلم يسجل السوريون في فترة دي ميستورا، في هتافاتهم وشهاداتهم، غير خذلان المجتمع الدولي وتواطئه على تمرير الجرائم.

مهمة دي ميستورا أُنجزت، دون إنهاء الحرب على السوريين بمفهوم القانون الدولي، ودون وضع أسس تمنع اتخاذ الإجراءات “الاستثنائية” التي اعتبرها النظام المجرم شرعيّة بمفهوم الحرب، عبر صياغة قوانين تساهم في الأصل في تدمير المجتمع لا بنائه، على سبيل المثال من الناحية العسكرية استعمال القوة وتنفيذ المجازر ضد المدنيين بمختلف أنواع السلاح، ومن جهة أخرى فترة المبعوث الدولي إلى سورية أفرغت من محتواها الدالة على عمل “الوسيط الدولي”، وهي الحالة التي تستطيع فيها جهة ثالثة أو مجلس الأمن أو الأمم المتحدة القيامَ بعمل جماعي، بموجب المادتين 39 و51 من ميثاق الأمم المتحدة.

ترمز استقالة دي ميستورا إلى فشل الوسيط الدولي، ومن خلفه كلّ المنظومة الدولية، في توفير أبسط قواعد الحماية للسوريين، وبسبب الطبيعة السياسية والاعتبارات الاستراتيجية والدولية التي تحيط بوظيفة النظام المسيطر في دمشق، وبمصالح عالم اليوم؛ تقدّم المنظومة الدولية عجزها الفاضح بالتغاضي عن جرائم النظام. الآن، بعد سبعة أعوام وتوالي العديد من الوسطاء الدوليين بمهامهم في سورية، منهم من امتلك شجاعة تقديم استقالته، ومنهم من حاول المراوغة، ومنهم من أكمل المشوار كدي ميستورا، يثبُتُ أن عملية تطبيق القانون الدولي وقواعد الاتفاقات الدولية وقرارات الشرعية فشلت في توفير حماية الشعب السوري، ووفرتها للقاتل، وهو المغزى والمقصد من تأخر استقالة الوسيط حتى اليوم.

مرت كثير من الفظاعات، وما زالت تتكشف وتتوالى، وهي بحاجة إلى وقفات جدية، لا إلى ميوعة المواقف التي استند إليها المجرم في دمشق، واعتكز على مواقف المجتمع الدولي لإتمام الجريمة، لقد غطى القسم السابق من زمن دي ميستورا جرائم كبرى، وتلاعب لغويًا في تفسيراته عن المجرم، وعن الشعب السوري، لتحقيق الانسجام بين نقيضين: الشعب السوري وقاتله. لقد تأخر دي ميستورا في الرحيل، والسوريون لن يكونوا تواقين إلى وسيط خير سلف، بل إلى عدالة منتظرة ولو بعد حين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق