تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

سوار الذهب.. المجد المُشتهى

رحل سوار الذهب، الرجل الذي أدهش العالم بموقفه الديمقراطي، وهو ابن العسكر وابن السودان، ومع ذلك فقد قدم أروع نموذج للديمقراطية وسيادة القانون في بلاد العرب.

فالعسكر في البلاد العربية لغة طغيان، وتاريخ العسكر في البلاد العربية مع الحكم تاريخ زواج كاثوليكي ينتج جسدًا متحدًا، لا ينتهي الا بموت العسكر والوطن معًا!

والسودان قلب أفريقيا الداشر، ومكانه التقليدي في آخر القوائم في الحريات والديمقراطيات والدولة المدنية، ولم يكن يخطر ببال أحد ان هذا البلد العاثر سيقدم درسًا للعالم كله، في الديمقراطية وحكم القانون.

حين اشتدت الضغوط على النميري 1985، وخرج الشعب إلى الشوارع؛ لم يجد النميري ما يواجه به شعبه إلا إبلاغهم بأنه سيزور أميركا تأكيدًا لحلفه المنتعش مع القوة الضاربة في العالم، وتهديدًا للثائرين بأنهم سيواجهون أميركا في ثورتهم لا محالة، ولكن الشعب ازداد صخبًا وسخطًا، وملأ الشوارع، وحين رأى الأميركيون ذلك والتقى الجمعان؛ قالوا للنميري، إنا برؤاء منكم إنا نرى ما لا ترون، ولم تغن عنهم أوهامهم التي كانوا يدعون من دون الله من شيء وما زادوهم غير تخسير! ولم يجد ذلك الزائر العاثر طائرة يعود بها إلى السودان، وانكفأ إلى مصر خائبًا وهو حسير.

وجدت السودان سوارها الذهبي الذي يحميها من فوضى الصراع الحزبي، وقام المشير عبد الرحمن سوار الذهب بما ينتظره الناس من الجيش الوطني في ظروف الفوضى والانهيار، وقدم الدرس النبيل لأصالة المحارب ونبله وفروسيته وشجاعته.

إنها الفطرة التي فطر الناس عليها، وحين تغرق البلاد في الفوضى، فإن الناس يرقبون البزة العسكرية الصارمة، ويسبغون لها احترام تعظيم لأنها تمثل الوطن في جوهره وقيامه وحياده وموقفه الأبوي من الناس، ولأنها تعني الدفاع عن المستضعفين ولجم المستكبرين وسقوط الفاسدين.

ولكن هذه المشاهد باتت اليوم أبعد ما تكون عن تصور العربي البائس الذي لم يعد يرى في جيوش بلاده وقواه الأمنية، ومؤخرًا في قنصلياتها أيضًا، إلا الخوف والرعب والتآمر والخذلان، وصار المستجير بهذه الجيوش والسفارات كالمستجير من الرمضاء بالنار.

إن الدرس الأكثر إثارة في حياة سوار الذهب هو مكان الرؤساء العرب، بعد النزول عن كرسي الحكم، حيث تسود منذ قرون ثقافة راسخة رسمها المهلب بن أبي صفرة، وهو أحد الحكام الذين اشتهروا بالقبضة الحديدة على الشعب، وقد قال له أحدهم اتخذ لك دارًا أيها الأمير، فقال، بصراحة: قصري هو دار الإمارة أو القبر ولا شيء آخر!

ولكن سوار الذهب استطاع أن يغير المعادلة العربية، ونجح هذا السوداني القادم من كردفان في أن يرسم صورة أخرى للحاكم العربي بعد الرحيل، وبخلاف ما تعوده الناس من رؤية الحاكم السابق في السجون أو المقابر، أثبت سوار الذهب أن الحاكم السابق يمكن أن يعيش بين الناس، ويحظى بمحبتهم وثنائهم، ويمكنه أن يقوم بأشياء كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها الآخرون، وبإمكانه أن يستثمر في محبة الناس وثنائهم وودهم، وأن يصبح حضوره في اي محفل أبهج ما ينتظره الناس، وأجمل ما تراه العين، وأرضى ما يقر له القلب.

وفي هذا السياق، أطلق منظمته منظمة الدعوة الإسلامية العالمية، ومن خلال مكانه كزعيم شهير، كان يطوف البلاد ويوفر لهذه المنظمة الوليدة أنصارًا في العالم الإسلامي، واستطاع أن يمكنها من أداء دورها لتكون وقفًا موصولًا بعد رحيله يؤدي رسالة العطاء.

لماذا يفهم العسكر العرب أن المجد في فوهة البندقية، ولماذا يشعرون بأن طلاقهم من بنادقهم هو حتف حتم؟ لقد أثبت سوار الذهب غير ذلك تمامًا، وأكد أن التخلي عن البندقية والمدفع هو الذي يفتح لك قلوب الناس، وبات من حقّنا أن نتساءل: لماذا لا يصدق الحكام العرب أن بإمكانهم أن يمضوا تقاعدًا جميلًا يسكنون به في قلوب الناس، وينالون محبتهم ويسكنون قلوبهم، ويمتعونهم بتلاقي العينين وتصافح اليدين، بقلوب صافية لا يشوبها زغل المصالح؟

في الذاكرة أسماء عربية قليلة استطاعت أن تفعل، ولكن سوار الذهب يبقى الرجل الأكثر شهرة ومصداقية ووفاء لوعوده للناس.

لقد تعودنا أن نمجد القادة في التاريخ بأن نقول إنهم كانوا أفذاذًا ومتفردين، وإن الاستقرار والأمن متوقف على وجودهم، ويزداد مكانهم في التقدير والثناء حين يقال إنهم كانوا صمام أمان، وحين رحلوا رحل معهم الأمن والسلم، وعاد الناس إلى الفوضى، حيث عجزت النساء أن يلدن شخصًا بعظمة الزعيم وقدراته وهوله.

قناعتي أن هذه أشد نظريات الاستبداد بؤسًا وتوحشًا، فالقائد الفذ هو الذي ينتج مجتمعًا حيًا قادرًا على تقديم زعماء في كل مرحلة، ويفرض قانونًا راسخًا يغدو مرجعًا للناس يحكمهم ولا يحكمونه، ويحتكمون إليه ولا يقدونه على مقاس أهوائهم.

إنه المشهد الذي رآه الناس يوم رحيل النبي الكريم، وهو يوم مرعب في تاريخ الإسلام، فلم يكن الناس يتصورون أن الرجل الذي تأتيه الملائكة بالليل والنهار، ويناديه الله إلى معراجه في السماء السابع، ويرسل له البراق والمعراج والرفرف، لم يكونوا يظنون أنه سيرحل، وكانوا يظنون أنه باق حتى يحكم الأرض ومن عليها، وأن العالم يستعد للخضوع لهديه وأمره، وحين انتشر الخبر، اخترط عمر بن الخطاب سيفه وصعد المنبر وصرخ غاضبًا: إن قومًا من المنافقين يزعمون أن محمدًا قد مات، فلا أسمع أحدًا يزعم ذلك إلا اخترطته بسيفي هذا!!

ولكن الوعي الأكمل كان عند الصديق الذي اختصر نجاح الرسول بكلمة واحدة: “من كان يعبد محمدًا؛ فإن محمدًا قد مات ومن كان الله فإن الله حي لا يموت”.

إنها أهم عبارة في التاريخ في بناء دولة المؤسسات، والخروج من عبادة الفرد إلى بناء الدولة وسيادة القانون.

لقد كتبت لي الأيام لقاءات متتابعة مع الزعيم سوار الذهب، في السودان ومصر وسيؤول ولندن وعمان والإمارات وأخيرًا في بلد الله الحرام، وكنت أشعر بأن الرجل بالفعل منسجم للغاية مع مبادئه، وأنه بحق بات أيقونة لكل عربي ومسلم طامح إلى المجد.

في طريقنا بين طهران وأصفهان، حيث تتوالى مشاهد الحضارات الأخمينية والميدية والحثية والفارسية والساسانية، ويطوف بك مشهد الحضارت المتكسرة وقيامها وعثارها وما فيها من جيوش وحتوف ، قلت له يا معلم!! إن الناس تتساءل دومًا عن سر انتصارك على كرسي الحكم، وكيف نجحت في أن تترفع عن مكاسب السلطة وزخارفها وبهرجتها؟ فنظر إلى الأفق البعيد، فيما كانت السيارة تعدو بنا في منقلب التاريخ ودروسه وعجائبه.. ثم رمقني بطرف عينه ولم يزد على أن قال: جناح بعوضة!!

إنها حقيقة، كان يعتقدها بيقين، قبل أن يأتيه اليقين، وقبل أن يفد على دار البقاء محفوفًا بثناء الناس في مرابع الخلود.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق