أدب وفنون

جورج أورويل يروي سيرة إريك آرثر بلير

ما زال الادعاء يرافق الكثير من المقولات التي ترسم للكتّاب الأجواء المثالية للكتابة، وما زال الكثير منّا يصدقها!!

قبل التفكير في الكتابة، أو الحديث عنها، علينا الذهاب إلى مُغذياتها، وأهم تلك المغذيات هي التجربة، لذلك قالوا: “اسأل مجرب ولا تسأل حكيم”.

والحقيقة أن إريك آرثر بلير الذي وضعته صحيفة (التايمز) في المرتبة الثانية في قائمة أعظم 50 كاتب بريطاني منذ عام 1945، كان نتاجه الأدبي هو الوجه الآخر لتجاربه المتنوعة في الحياة، مما يذكر بقول رايموند وليامز أورويل: لديّ انطباع رائع عن هذا الرجل الغارق بالتجارب، الذي يتحد مع الأشياء بطريقة مباشرة.

إريك آرثر بلير: Eric Arthur Blair هو الاسم الحقيقي لجورج أورويل George Orwell. مؤلف رواية (1984) الشهيرة.

جورج أورويل (1903-1950) صحافي وروائي بريطاني، تتميز كتاباته بالحيوية والطرافة والسخرية المرّة، وقد عرف عنه مناهضته للاستبداد، ومعارضته للحكم الشمولي، وتحذيره من غياب العدالة الاجتماعية، وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية.

عُرف أورويل، من خلال عمله الديستوبي رواية (1984) التي كتبها عام 1949، تلك الرائعة الأدبية التي نالت إعجاب معظم الناس؛ ولا يزال الحديث عنها مستمرًا إلى الآن!! وروايته المجازية (مزرعة الحيوان)، التي كتبها عام 1945، هذا ويعتبر أورويل صحافيًا وكاتب مقالات، وقد صدر له كتاب بأربعة مجلدات؛ جُمعت فيها مقالاته.

في كتابه الذي حمل عنوان (لماذا أكتب)، يقول: “عندما أجلس لكتابة كتاب؛ لا أقول لنفسي (سوف أنتج عملًا فنيًا)، لأن هناك كذبة ما أريد فضحها، حقيقة ما أريد إلقاء الضوء عليها”. لذلك لم تسقط مؤلفاته في رتابة العادي، لدرجة أن أحد الصحافيين كتب مقالًا بعنوان: (لماذا لا يموت جورج أورويل؟) يقول فيه: دائما أفكر لماذا لا يموت جورج أورويل؟ وكيف يتآمر الجميع كي يظل اسمه موجودًا دائمًا.

معظم مؤلفات أورويل مستوحاة من تجاربه الشخصية، من هذه التجارب؛ تلك التجربة التي ترصد حياة التشرد بكل قسوتها؛ وتفاصيلها التي وثقها في كتابه (متشردًا في باريس ولندن). ترجمة: سعدي يوسف.

في هذا الكتاب-الرواية، ثمة مفاجأة يجدها القارئ في الصفحة الأخيرة من الكتاب، تلك المفاجأة هي عدة كلمات يقولها الكاتب، بعد أن يأخذك في رحلة مع البؤس تمتد على مساحة 268 صفحة من الحجم المتوسط: (في الوقت الحاضر، أشعر بأنني لم أعرف من البؤس إلا حافته). لم يقل إن تجربته قد اكتملت؛ بعد أن عاش حياة التشرد في باريس ولندن ردحًا طويلًا من الزمن، لا بل قال: “لم أعرف من البؤس إلا حافته.. في أحد الأيام أريد أن أستكشف العالم بصورة أكثر تدقيقًا. عليّ أن أعرف أناسًا مثل ماريو وبادي وبيل الخطاف، لا في لقاءات عابرة، وإنما في لقاءات حميمة، أريد أن أعرف ما يدور حقًا، في نفوس غاسلي الصحون، والمتشردين، والنائمين على السد”.

لقد عاش أورويل حياة التشرد وعايشها، فأدرك ذلك الخراب الذي يلحق بالمتشرد، وقد جاء على ذكر ذلك الخراب، كما يقتضي التقصي في علم النفس أو علم الاجتماع، فهو بعد ذكر الجوع الذي هو الحالة الملازمة للمتشرد، والبطالة الإجبارية، وهدر الطاقات، يذهب في تحليل الوجوه الأخرى للتشرد:

(المتشردون مقطوعون عن النساء، في المقام الأول؛ لأن قلة قليلة جدًا من النساء هنّ في هذا المستوى الاجتماعي، إن المجتمع تحت مستوى معين، هو مجتمع ذكوري. واضح أن نتائج هذا يجب أن تكون: اللواط، مثلًا، وحالات الاغتصاب أحيانًا، لكن أعمق من هذين، هناك الانحطاط الناشئ في الرجل الذي يعرف أنه غير صالح للزواج، فالدافع الجنسي، إن لم نُعل من شأنه؛ هو دافع أساسي، والجوع الجنسي يوهن المعنويات، كالجوع الجسدي، إن شر البؤس ليس في أنه يجعل الرجل يتعذب، وإنما في أنه يجعله يتدهور جسديًا وروحيًا).

زاوية الرؤية هذه، وإن بدت بديهية؛ أو بسيطة، فإنها في الحقيقة ليست كذلك، إنها تمثل رؤية أورويل لنتائج غياب العدالة الاجتماعية، مما حدا به أن يأخذ موقف الدفاع عن المتشردين، وبيان أوضاعهم، وتصحيح وجهات النظر التي شكلها المجتمع عنهم:

(.. والحق أن جانبًا جد ضئيل من فكرة المتشرد-الوحش، سيصمد للتدقيق، يمكن القول بدءًا إن قليلًا جدًا من المتشردين خطرون، لأنهم لو كانوا خطرين؛ لتمّ التعامل معهم بموجب ذلك، إن بيتًا لأبناء السبيل يؤوي غالبًا، مئة متشرد، في الليلة الواحدة، ويتولى أمر هؤلاء المئة، جهاز من ثلاثة أشخاص، بوابين، في الغالب، لا يمكن السيطرة بثلاثة رجال غير مسلحين على مئة شخص وحشي).

لقد أخذ أورويل على عاتقه تحليل وقائع حياة المتشردين، ونفسياتهم، ليس لأنه متعاطف معهم وحسب، بل لأنه جرّب حياتهم، وعاشها، وعايشها، وصار لزامًا عليه كشخص معني بالشأن العام، بالمجتمع الذي ينتمي إليه، بالإنسانية التي هي الحامل الموضوعي لشخصيته، أن يقول بحقهم كلمة حق.

لذلك لا يموت جورج أورويل، لا بل ثمة ما هو أجمل من ذكر الموت، فقد كتب الدكتور جلال أمين كتابًا بعنوان: (تجديد جورج أورويل، أو ماذا حدث للعالم بعد 1950)، ليلاحظ القراء مستجدات التسلط، والطرق الحديثة في غسل الأدمغة، والأسباب التي أدّت إلى تغول السلطات، وأدوات القهر الما بعد حداثوية، وقد كان أورويل يعرف ذلك تمامًا، وقد قاله بوضوح: (هناك شيء خطأ في النظام السياسي الذي يحتاج إلى هرم من الجثث كل بضع سنوات).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق