أدب وفنون

وحيدة مع جثتي

ما الذي كان ينقص هذه المدينة كي تطردني أنا ونظراتي الباردة التي لم تظنها العصافير حتى ديدانًا سوداء.

وما الذي كان يمنع يدي منذ الخليقة أن تتعلم كيف ترمي إيماءة في الريح، أنا التي ولدتُ قرب مرفأ صيادين أحلامُهم تمخر الغروب، بنمش متوسطي، كانت أدوات الرحيل مشحوذةً على الشاطئ تلمع تحت الشمس، ومع هذا لم أكن أرى المحطات إلا أعشاشًا عالية للسنونو، والقوارب البعيدة ألواح شوكولا تُبحر صوب قلب امرأة تشبهني على الضفة الأخرى.

لا أعرف لغة الوداع، أن أدير ظهري دورة كاملة وراء ما كبر قربي وصار حقلًا، ولم أتذوق طعم تلك الأمنيات والأفكار التي تزفر عندما تحين لحظته، بل كنت أغبطه طوال الوقت، على تلك اللقطات الساحرة التي حفظتها له السينما، انطواء ذراعيه الصفراوين وسط اللوحات، ذئابه السوداء التي لاحقت الشعراء، ومزقتْ خطواتهم بأسنانها.

أعيش في حالة سفر دائمة، أنتظر العاصفة كي أطمئن على بيوت حجرية أعرف أسرارها، كما لو كنت أسكنها منذ الخليقة.

يقودني القلق إلى السرير، فأحيا داخل قصة سمعت عنها أو رواها لي أحدهم ذات مرة، كأن أشتري سمك السلمون وزجاجة نبيذ فرنسي وباقة ورد من أحد المتاجر الألمانية، ثم أعود إلى بيتي، وأكمل إعداد العشاء والموسيقى للبحيرة والذكريات، أغفو دون إكمال القصة المملة، فهناك أشياء كثيرة تنتظرني في أحلامي، أحلام يقظتي التي لا تنفذ، ثكنة عسكريّة تحيطها المرايا.

كبرت الوحدة بعد الحرب، وصارت عزلة تملكُ في فمها مبراة، جسدي لم يسكن هنا يومًا، في الخوف والحب فقط أرتعش، كمن يحاول إنعاشي وصعقي بضربات كهربائية، أعرف حينها أنني أعيش في دمشق، واسمي سوزان، ولديّ بيت ومفتاح.

منذ مدة حملتُ آنيّةَ الفخار وقصدت موعدًا مع صديقتي، هدية بسيطة كانت قد أعجبتني لسيدة تدخل عامها الأربعين، العام “المنحوس”، كما تصفه صديقتي التي مات طفلها منذ سنتين، ومن وقتها لا يفاجئها أيّ شيء، جلسنا حول طاولتنا ذاتها التي لم يبق جائع وعاشق ومشرد ولص في دمشق، إلا ترك فوقها أثرًا منه، وما زالت تحبّ المفاجآت مثلي.

كمن ينتظر رسالة، يعبر المارّة بحيرة تحت مطر الخريف، تخبرني صديقتي وهي تحاول التقاط ذبابةٍ علِقت على الزجاج المتسخ، أنها تنتظر مقابلة السفارة الفرنسية خلال شهرين، كي تبيع أغراض منزلها في ركن الدين وتغادر، قالت هذه الكلمات، وقد أغلقت يدها بإحكام على الذبابة.

شربنا القهوة، وروى لنا النادل نكتةً باللهجة الحمصيّة، غادرتْ معي المقهى ولم تتبع صديقتي، ربما خافت من مصيرها المحتوم في بيت امرأة تتهيأ للسفر، وتربي قطة أسمتها “ساروجة” على اسم الحيّ القديم!

“ألف مبروك” قلتُ لسائق سيارة الأجرة، بعد أن أنهى مكالمته الهاتفية التي أوحت لي كلماتها، وتلك الأسارير التي انفرجتْ على وجهه أثناء حديثه، أنه سيتقدم في الغد إلى خطبة فتاةٍ تربطه بها قصة حبّ. ضحك مطولًا، عندما سمع تأويلي لمكالمته، وقال: “إيه.. من تمِّك لباب السما”.

المرأة التي كان يتكلم معها على الهاتف ليست من سيذهب برفقتها طارقًا باب عروسته وحاملًا صواني الحلويّات، بل كانت هي المحامية التي سيذهب برفقتها إلى سجن عدرا، فلقد تقرر الإفراج عن أبيه المعتقل منذ ثلاث سنوات في الغد.

“ما سمعتيني عم قول للأستاذة: راح جهز الحلوان من هلأ؟!”.. أضاف السائق هذه الجملة، وأنا أتذكر كيف أغلقت صديقتي أصابعها بإحكام على الذبابة.

كثيرًا ما تقودني أحاديثي القصيرة مع أصدقائي الذين غدوا في الخارج، إلى سؤال نفسي: ماذا لو خرجت منذ بداية هذه الحرب، ما الذي كان سيتغير؟

لم أكن ربما أعيش اللامبالاة التي لا يوقظها سوى الخوف العميق في قلبي، من أشياء سطحية وهامشيّة وليس لها وجود لولا وجودي.. كيف كنت سأرى بيتنا، وهو يتحول من مذياع عتيق إلى خيمة.

ربما لم يكن للهلع أن يطالب بسرير إضافي له في بيتي، أو كنت لن أتصرف كمجنونة بائسة، إن حدث وعلقت علبة مياه بلاستيكية فارغة في دولاب سيارة الأجرة، عندما أصدرت ذاك الصوت المدوي الذي دخل أذني كصفير صاروخ، قبل أن يقع وينفجر.

في شارع الباكستان، قرأت المشهد مرة أخرى بطريقة خاطئة، ولم يكن قلبي المسؤول هذه المرة، عندما رأيت لون الموت في وجه السائق المرتبك من الصوت، وهو ينعطف إلى اليمين وينزل مستعجلًا، لم تكتف أنفاسي بالنزول في تلك اللحظة بل ركضت بعيدًا، وظننت أن ورائي حريقًا وأحذية بدأت تتطاير.

رأيته يضحك ويصرخ ملوحًا بعلبة البلاستيك، وقد انتزعها من مكانها، علمتُ أنها مجرد ضربة كهربائية جديدة، كي أتأكد أنني عبارة عن شبح يعيش في هذه البلاد.

ليس هناك من مكان في الأرض يُخرج الخوف ونوبات الهلع والقلق من قلبي، لقد صارت الجذور سمكية وضاربة في العتمة، حتى غدت عمياء، لا تفرق بين شجرة وخطوة وقبر.

لا أريد لغابة روحي أيّ حراس.

كان الخوف محصورًا بالمجهول والموت والمرض، ولكن في السجن الذي أرنو من ساحته إلى نوافذ جيراننا، لم يكن هناك مرَض جديد، أسمع بضحاياه إلا تلبستني أعراضه في اليوم التالي.

مرةً سألني صديقي الطبيب: هل تعرضتِ لفاجعةٍ، كموتِ شخص كنتِ متعلقة به كثيرًا؟!

لم أجب عن السؤال، كي أساعد صديقي على الإمساك بأول الخيط، كل ما هنالك أنني أعتبر هذا الوجود برمته فاجعة، منذ أن خلقتُ على عتبة، بابها مخلوع وأهلها يحبون شرب الشاي عند العصر.

بدت تلك الفاجعة كرسالة حبّ أو سكاكر ملونة أو وشاح من الحرير المطرز، عندما جاءت الحرب، لقد كنت أعيش في صدمة طوال تلك السنين، ما يشبه بيت عزاء، لكن، ما إن بدأت الحرب حتى غادر آخر المعزين، وتركني وحيدةً مع جثتي.

لا أعلم كيف كنت سأكتب هذه الكلمات وأنا خارج سورية؟ هل سأضحك وأنا أتمتم بها؟ أم أنّ قلبي سيكمل حياته كمبضعٍ، كمجهر؟

حتى هذه الأسئلة تخيفني، فأنا أحبُّ الفيء الطافي فوق النبع أكثر من النبع، ولا أملك ما يكفي من الجرأة كي أجرح أعماقي بمرآة.

أُومنُ بجملة سمعتها صدفةً من جدتي، وهي تروي لي قصة أول بئر تمّ حفره في القرية: “وحدَه الماء الأصيل من يشرد تحت الأرض، لا يحتمل غزارته، فينسى الطريق إلى النبع ويضيع”.

كانت تقصّ فتيلة مصباحها وتتثاءب.

·        اللوحة للفنان السوري بهرم حاجو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق