أدب وفنون

حوار مع الدكتور عمر بوساحة

طالما كانت قدرة الفلاسفة على إلغاء المسافة بينهم وبين الآخر تستوقفني، وقد حالفني الحظ وعرفت العديد منهم (د. يوسف سلامة، د. أحمد برقاوي، د. أبو يعرب المرزوقي، د. رشيد الحاج صالح، د. عمر بو ساحة، د. وائل سعيد) وغيرهم. وكان هاجسهم المعرفي، دائمًا، يثير رغبتي في الأسئلة، وأنا على يقين من أنهم: (كبعض الناس هم، فإذا استثيروا…. فبينهم، وبين الناس فرقُ)

وقد كنت أبحث في حواراتي معهم عن هذا الفرق بالذات، لا عن سواه، عن الأمل الذي يستبطن رؤاهم، عن ذاتي في مرآة معرفتهم، وعن الوجه الآخر للحقيقة؛ ذلك الوجه الذي لا يعرفه إلاّ الراسخون في العلم.

صديقي الدكتور عمر بوساحة، كان الأقرب إلى هاجس السؤال الراسخ في نفسي، فتوجهت إليه، وكان بيننا هذا الحوار:

– هل تعتقد أن أنشطة الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية معنية بالجزائر، وما يواجهها من تحديات، أم أن الفكر الفلسفي معني بالإنسان أينما وجد؟

= قد يكون الهدف الأساس الذي لأجله تأسست الجمعية، هو السعي باتجاه جعل ثقافتنا العربية تنفتح على ثقافات العالم، ثقافة الإنسان، من دون أن ننسى التعريف بثقافة الجزائر كذلك، فالخصوصية لا تعني بالنسبة إلينا الانغلاق على هويتنا، الفلسفة تأبى ذلك وتعارضه. النقاش الحاصل عندنا، وتنخرط فيه نشاطات الجمعية، هو الذي يشجع ويعمل على ترسيخ قيم الإنسان ومبادئه وحضارته التي تصنع تقدمه ورقيّه.

– أعرف أن الجزائر قررت تدريس الفلسفة منذ السنوات الأولى لاستقلالها، أي منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، ما الذي أنجزته الجامعة في هذا الصدد؟ أم أن ذلك الاختصاص بقي في إطار المناهج الدراسية كبقية المواد، أقصد هل تحولت الفلسفة من مادة في المنهاج إلى وسيلة تفكير؟

= صحيح لم تغب الفلسفة عن المدرسة الجزائرية منذ الاستقلال، ولكنها لا تزال بعيدة كل البعد عن أن تصبح وسيلة تفكير اجتماعي. لم تبرح الفلسفة في الجزائر أقسام الدراسة في المدارس والجامعات، على الرغم مما حصل من تحسينات على برامجها وعلى موضوعاتها. حدث أن تمَ تكييف البرامج فترة المدَ الإسلامي فترة التسعينيات من القرن الفائت، صحيح، لكن لم يكن ذلك انقلابًا على روح التفلسف، إلا في بعض الموضوعات التي لها علاقة باللاهوت، وبعض الموضوعات ذات الصلة، أما في الشكل العام فقد حافظ المنهاج على أهم موضوعاته. في تصوري أكبر مشكل يواجه الفلسفة في وطني، وأظنه في أغلب البلدان العربية، يكمن في ضعف الأساتذة المكونين الذين لم يتعلموا كفاية لتدريس هذه المادة التي يحتاج تدريسها إلى طرق خاصة، لم يتمكن منها هؤلاء! فقد تلقوا تعليمًا تقليديًا لا يتماشى مع الروح النقدية والحوارية التي هي روح الفلسفة، ولا يتماشى كذلك مع حرية الرأي التي لا يمكن للفلسفة ان تنتشر وتسود من دونها. فطريقة التلقين التي نقدم بها دروسنا، لا تساعد في تكوين إنسان مبدع يحاجج وينتقد ويجدد ما تقادم من أفكار، لذلك، صعب على الفلسفة أن تجد طريقها إلى الحياة الثقافية، هاته الحياة المتخلفة التي تمثل جدار صد في وجه كل تجديد ثقافي، تسعى له نخب التنوير في عالمنا العربي. ثقافة دينية محافظة ترفض كل تجديد، بل تحاربه بكل أنواع الأسلحة، بما فيها التصفيات التي طالت الكثير من الرموز الفكرية. صحيح كذلك، قد يكون هناك يد للسياسة في الأمر، ولكن السياسيين لا يتحركون ضد إبعاد الفلسفة أو تحجيمها، إلَا إذا شعروا بأن هناك شيًئا ما يهدد كراسيهم. إنهم يقومون بردات أفعال على الخطر الذي يمثله خطاب التطرف الديني، على استمرارهم في مناصبهم، والأمر قريب مما كان قد حصل لابن رشد في عصره، حينما ثار ضدَه الفقهاء، فلم يجد السلاطين من حيلة سوى التضحية به لإنقاذ أنفسهم.

– ما الذي تأملونه من الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية؟ وهل لديكم ما يؤهلكم لتحقيق أحلامكم؟

= نعلم جيدًا في الجمعية أن اختراق ذهنية تشكلت خلال عشرات القرون من التخلف، لا يمكن أن يتم بين يوم وليلة، ولكنَنا نعلم كذلك أنه بالإمكان تحقيق الكثير من خلال الإرادة الصلبة والنضال الدائم، فالأمر ليس بسيطًا ولكننا لا نملك وسيلة أخرى، غير هذا الأسلوب. لم يتحرر العقل الغربي بين عشية وضحاها، بل خلال قرون عديدة من العمل والمواجهة والتضحيات. قد نكون محظوظين لأننا نحن في العالم العربي، قد استفدنا من تجارب غيرنا، ولكننا نحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير لنصل إلى سقف الحرية والإبداع الذي وصل إليه الغربيون. لا نقول إننا مطالبون بتكرير تجاربهم، ولكننا مطالبون بمشاركتهم في إنجاز حضارة الإنسان الراقي التي لا نزال مستهلكون لها وغير فاعلين.

– حضرتك أستاذ الفكر الجمالي بجامعة الجزائر، ومدير مخبر الجماليات، ورئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، هل استطاعت هذه الأقانيم الثلاثة أن تزحزح الفكر الإسلامي المتشدد في الجزائر؛ عن موقفه السلبي من الجمال (على سبيل المثال)؟

= حال الفكر الجمالي من حال الفلسفة، فالفنون تحتفي بالحياة بخلاف الفكر السلفي الذي يدفعنا دفعًا باتجاه ثقافة الموت، لذلك هو سيعادي كل ما من شأنه أن يدعو إلى الاستمتاع بهذه الحياة. مستندًا إلى آراء فقهية بالية، مؤسسة على أمزجة تعادي كل ما هو حي وجميل. فالإسلام -كما هو معروف- لم يعادِ الفن، ولم يحرّم إلا ما يضرّ بالذوق والمشاعر، ولنا في شخصية الرسول محمد (ص) مثال على ما نقول، فقد استمع للشعر بكل أنواعه، وحين حطَم الأصنام، فعل ذلك بسبب رمزيتها الوثنية وليس لأنها فنون جميلة. فالسلفيون يأخذون بالظاهر ولا ينتبهون إلى أن سلوكهم يضر بالإسلام أكثر مما ينفعه.

– هل تستطيع الفلسفة أن تفكك أوهام الإسلامويين؟ أو بالأحرى هل تشتغل الفلسفة على ذلك؟ أم أن الأداء في ذلك الحيّز مشمول بالتقديس، وأي نقد يوجه إليه يعدّ تطاولًا؟

= ليس هناك من وسيلة تنقذنا من هذه الحال التي نحن فيها، سوى التوجه نحو الفهم العقلاني لظواهر الحياة والواقع والتاريخ، فمناهج العلوم المعاصرة وفلسفاتها، وسيلتنا للخروج من تخلفنا الذي امتدَ في حياتنا طيلة عقود، إنها الأدوات التي نفكك بها ما ترسب من طبقات الجهل، لنتعرف إلى الموانع التي عطّلت عقولنا ومنعتها من التفكير والانخراط في الحداثة. لقد أنجز كثير من مفكرينا مشاريع فكرية سارت في هذا الاتجاه، مثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وأدونيس وغيرهم، لتجاوز هذه الكوابح، ولكننا، على الرغم من تلك الجهود، لم نحقق إلا النذر اليسير. فالمشكل كبير، لذا، وجب تسخير كل الإرادات لتحرير عقولنا من ثقافة الانحطاط التي ورثناها عبر الحركات الأصولية والإرهاب.

– أين يقف المثقف العربي الآن؟ أقصد موقعه الواقعي، وليس أحلامه المثالية.

= إن كنت تقصد المثقف العربي النقدي، فإن إصراره يزداد يومًا بعد يوم، على التصدي لأسباب التخلف والدكتاتورية، فنقده المزدوج يتجه تارة للخطابات السلفية التي تمنع أي تجديد للحياة الثقافية، وتارة أخرى للسلطات التي تقف حجر عثرة أمام حرية الفكر والتعبير. الأكيد أن وضعه ليس جيدًا، ومع ذلك، هو مصرّ على المقاومة التي ستنتج، إن عاجلًا أم آجلًا، حياة ثقافية تلتحم مع ثقافة العصر وتفتح الآفاق أمام العرب، للدخول في عالم الحداثة. قد يبدو الكلام مثاليًا، كما تفضلت، ولكن لا شيء سيقف أمام الإرادة إن كانت صادقة وتعرف أهدافها.

– تدعو في مقالاتك إلى تحرير الإسلام من السياسة، والمصالح المرتبطة بها، كيف يمكن انتشال الإسلام من تاريخه؟ وأنت أدرى بأسباب الصراعات التي لم تخمد جذوتها، منذ صدر الإسلام إلى الآن.

= على الرغم من التجارب البسيطة التي عرفها التاريخ الاسلامي في مسألة الدولة المدنية، فإننا لا نستطيع إنكار أن هناك تجارب للعلمنة في تاريخ الدولة الاسلامية، بل قد نذهب إلى أن ما حدث، في هذا التاريخ السياسي الإسلامي، أن الدين هو الذي كان في خدمة السياسة وليس العكس، كما حدث في الدول الغربية حينما جعلت الكنيسة السياسة خادمة لها. لذلك نعتقد أن المرور الآن إلى الدولة العلمانية في العالم العربي، أصبح ضرورة ملحة ومن دونها يبدو الأمر مستحيلًا في التأسيس لمجتمع آمن ومستقر. الديمقراطية تفترض علمنة الدولة وتحررها من المقدس والأيديولوجيات، لقد أصبح خلط الدين بالسياسة خطرًا على استمرار العرب في هذا العالم، وما الحروب التي تدمّر بلداننا إلا مثال حي على هذه المآسي التي جمع فيها بين الدين والسياسة. لا تشكل العلمانية خطرًا على الدين وعلى غيره، كما يتوهم السلفيون، ولا هي خطر على الوحدة الوطنية، كما يتوهم أصحاب الأيديولوجيات القومية. فالدولة المحايدة التي تضمنها العلمانية، تحقق حرية الجميع، وتضمن للجميع عيشًا مشتركًا يقوم على التساوي في الحقوق والواجبات، لجميع المواطنين ومكونات المجتمع. دولة المواطنة هي الحل لمشاكل المجتمع العربي، لأنها وحدها من تحرره من الدوغمائيات المغلقة، والمذهبية الدينية، ومن الهويات القاتلة التي نخرت هذا المجتمع طيلة العقود الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق