سلايدرقضايا المجتمع

حزب “الخير” التركي يحاول تجاوز أزماته عبر مهاجمة السوريين المُقيمين في تركيا

من جديد، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المُزمع إجراؤها في آذار/ مارس القادم، عادت زعيمة حزب “الخير” التركي ميرال أكشنار، لتُهاجم سياسة حكومة بلادها حيال اللاجئين السوريين، بذريعة أن هذه السياسة هي السبب الأساس في الأزمات الاقتصادية المُتتالية التي أصابت تركيا، في الآونة الأخيرة.

دعَت أكشنار الحكومةَ التركية إلى وقف عملية منح الجنسية للمواطنين السوريين، موضحةً أن هذه الخطوة ستؤدي إلى عدم عودة كثير من السوريين إلى بلدهم. كما دعت إلى المصالحة مع نظام الأسد، من أجل تسهيل عملية إعادة اللاجئين السوريين، وإيقاف حالة التدهور السياسي والاقتصادي الذي تشهده البلاد، على حد وصفها.

تصريحات أكشنار، ضد اللاجئين أو المُقيمين السوريين في تركيا، ليست جديدة، بل أضحت أشبه بسمفونية، ترتفع وتنخفض حدتها مع جولات الاستحقاقات الانتخابية. ربما تتناول أحزابُ المعارضة الأخرى قضية وجود السوريين في تركيا، لكنّ حزب “الخير” أو الحزب “الجيد” بات الحزبَ الأكثر هجومًا ضد السوريين، فما أسباب ذلك؟

ربما يُمكن تفسير الأمر من خلال عدة نقاط، أهمها:

  • محاولة تصدير الأزمات الداخلية في الحزب

على الرغم من تلقيبها بـ “أنثى الذئب” التي سُتطيح الرئيسَ أردوغان في الانتخابات الرئاسية، فإنها خسرت الاستحقاق الانتخابي، وخرجت منه بنتيجة هابطة لم تتجاوز 8 بالمئة. وعلى إثر ذلك، توالت الخلافات الداخلية للحزب، وأدت إلى استقالة أكشنار عن زعامة الحزب، ثم عودتها مرة أخرى. وعلى ما يبدو، خلقت هذه الخلافات، لدى المواطن التركي، نظرة سلبية، يشوبها الشك في مدى إمكانات الحزب لإحراز ما يتبناه من أهداف إصلاحية. وهذا ما جعل، على الأرجح، المواطن التركي ذا التعاطف النسبي مع الحزب يتساءل عن مدى قدرة الحزب على إحداث تغيير في المسار السياسي في تركيا، وهو غير قادر على تأسيس استقرار إداري في صفوفه؟

لتجاوز هذا التساؤل الناتج عن الأزمات الداخلية في الحزب؛ جنحت أكشنار، على الأرجح، نحو توجيه النظر إلى عنصر خارجي، من السهل لفت انتباه المواطن التركي إليه (ولا سيما المواطن الذي امتلأ عقله بتصورات خاطئة عن ذلك العنصر). وكان المواطن السوري هو ذلك العنصر.

  • تحقيق مكسب سياسي وظهور إعلامي

لا ريب في أن أكشنار ترمي، من خلال هذه التصريحات، إلى تحقيق مكسب سياسي، يكمن في استقطاب عدد كبير من المواطنين الأتراك المُقتنعين “بدور المُقيم السوري في الأزمات الاقتصادية المتتالية التي أصابت بلادهم”، نحو منح الثقة لحزبها في الاستحقاقات الانتخابات القادمة. ويبدو أن أكشنار ترمي، من خلال الركون إلى الحرب النفسية وعنصر “الديماغوجيا”، إلى خلق “خطر وهمي” في نظر المواطن التركي، ومن ثم تصوير ذاتها، على أنها المُخلص الأساس للمواطن من هذا الخطر.

وما يدل على “ديماغوجية” وعدم صحة تصريحات أكشنار، تقرير (وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية) ” TEPAV” الذي يُشير إلى أن السوريين ساهموا في الاقتصاد التركي، خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي فقط، بتأسيس 163 شركة قانونية، تلتزم بدفع الضرائب للدولة؛ أي تُساهم في دعم الدورة الاقتصادية لتركيا.

تتغاضى أكشنار عن الحقيقة انطلاقًا من حاجتها إلى صُنع شخصية كاريزمية لذاتها، بعد الخسارة الكبيرة التي مُنيت بها. ورأت في هذه التصريحات وسيلة لتجاوز حالة انعدام التواجد الإعلامي المؤثر، التي واجهتها خلال فترة الانتخابات، حيث تُبيّن صحيفة (أفرانسال) أن أكشنار لم تُمنح سوى 27 دقيقة خلال الحملة الانتخابية، وقد أظهرها ذلك شخصيةً ضعيفةً أمام منافسيها في الانتخابات الرئاسية. وبذلك يبدو أنها كانت بحاجة ماسة إلى تحرك استباقي يُحقق لها ظهورًا إعلاميًا متواصلًا وقويًا.

  • اللعب على ميزان القوى الداخلية مع حزب الحركة القومية

على الرغم من تبني حزب “الخير” التوجه المركزي الوسطي المُعتدل، في مبادئه التأسيسية وتوجهه الإعلامي، فإنه أخذ، في الآونة الأخيرة، يُظهر ميلًا نحو استقطاب عددٍ من القاعدة الانتخابية لحزب الحركة القومية الذي انشقت عنه أكشنار، عبر شعارات مُتشددة تُغلق مساوئ صفحة تحالفه السابق مع حزب الشعب الجمهوري المُعروف بتوجهه “الأتاتوركي اليساري” الذي لا يُحبّذ القوميّون التعاون معه. وفي الحقيقة، بالرغم من انفصال أكشنار عن حزب الحركة القومية، وتأسيسها حزبًا بشعارات مركزية مُعتدلة، فإن أرضية هذا الحزب كانت أرضية قومية، حيث جعلت أكشنار مضطرةً إلى العودة للمسار القومي الذي قد يضمن لها منافسة الحركة القومية في استقطاب القاعدة القومية.

في الختام، مُنيت أكشنار بخسارة مريرة خلال الانتخابات الرئاسية، لذا يكاد ركونها إلى ركب حزب الشعب الجمهوري، بل تجاوزه في مهاجمة اللاجئين السوريين، يأتي في خضم مسعاها لتوظيف ملف اللاجئين في صياغة أجندة سياسية، تهيمن على تفكير وإدراك عدد من المواطنين الأتراك، ليقعوا ضحيةً لسلاح التلاعب بسلوكهم النفسي عن طريق خلق احتياجات ومواضيع وهمية تدفعهم إلى البحث عن مُخلّص. لكن، بتتبع نتائج الانتخابات السابقة، اتضح أن الراكن إلى هذا الملف خاسر، فها هو حزب الشعب الجمهوري يشن هجومًا شرسًا على اللاجئين السوريين منذ عام 2011، ولم يحقق لذاته نسبة جزئية من الأصوات المُجزية لمصلحة وضعه السياسي في البلاد. ولعل مرد ذلك عدمُ واقعية الاتهامات التي توجهها هذه الأحزاب إلى اللاجئين أو المُقيمين السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق