سلايدرقضايا المجتمع

“مسمار جحا”.. قضية المتخلفين عن الخدمة العسكرية في جبل العرب

تثير قضية المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية بكافة تفاصيلها جدلًا واسعًا، ليس فقط في أوساط المجتمع المحلي في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، بل في عموم سورية، وعند جميع مكونات المجتمع السوري، وكذلك لدى السلطات السورية التي تتحمل مسؤولية هذا الملف بالكامل، أسبابه ونتائجه ومآلاته في المستقبل.

بيّن قرار الجهة المعنية بإلغاء دعوات الاحتياط، لشبان ورجال سوريين لم تتجاوز أعمارهم 42 سنة، أن عدد المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الاحتياطية والإلزامية بلغ 800 ألف مكلف، وبالقياس المنطقي والتناسبي، فإن حصة محافظة السويداء البالغ عدد سكانها نصف مليون نسمة ربما لا يتجاوز 20 ألف مكلف، نصفهم على الأقل غادر البلاد خلال السنوات السبع الماضية، وليس الأمر كما كانت تدعي بعض الجهات الحكومية المسؤولة عن هذه القضية، أن عدد المتخلفين يصل إلى خمسين ألفًا، وتجعل منها على الدوام “مسمار جحا” حيال مواقف السلطة من المحافظة وأهلها المتمثلة بفوضى السلاح والانفلات الأمني وسوء الخدمات العامة، والتعدي على الأملاك الخاصة والعامة وعلى المواطنين، من عصابات معروفة لأجهزتها الأمنية والسياسية، كما هي معروفة للقاصي والداني من أبناء المحافظة.

تنفّس آلاف الشبان من جميع أنحاء سورية الصعداء، بعد مرسوم إلغاء دعوات الاحتياط، واشتد الازدحام على شعب التجنيد للحصول على وثائق (إذن السفر) التي تُقطع قيمة كفالاتها الكبيرة من معيشة الأبناء والأهل، ولكن فرحة هؤلاء الشبان لم تدم طويلًا؛ إذ سرعان ما طُلبوا مرة أخرى إلى خدمة الاحتياط.

إن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة يحمل في طياته الكثير من الدلالات المخيبة للآمال، فهو  يحمل التخبط الواضح في قرارات السلطات، وعدم انصياع بعض الجهات والأوساط المسؤولة فيها للمراسيم الجمهورية، ويحمل عمق الشرخ بينها وبين قطاعات واسعة من الشعب، وضياع جيل بكامله من الشباب السوري، إما في الزواريب والحارات الضيقة بلا عمل ولا عائلة ولا مستقبل ويخشى مغادرتها، أو في بلاد اللجوء تتحكم في مصيره الأهواء والظروف، أو يخدم في الجيش لا يعرف متى بالضبط يأتي تسريحه منه أو من الحياة مرة واحدة.

عندما تصبح الجندية حجر عثرة أمام الشباب، وهم موارد البلد البشرية الأساسية؛ فإن على النظام، عوضًا عن تحميل المسؤوليات جزافًا لهذا المُكوّن أو ذاك من مكونات الشعب السوري أو من فئاته العمرية، أن يعترف بمسؤوليته أولًا، وتشخيص المشكلة وأسبابها ثانيًا، وأخيرًا علاجها بشكل جذري وعلى أسس وطنية صحيحة وواضحة. ولا أحد في سورية كلها لا يدرك جوهر هذه المشكلة وكيفية الخروج منها، وهي مشكلة قديمة جديدة، ربما فضحها أكثر ما يجري في سورية منذ سبع سنوات ونيف، ولكن معاناة المجندين في الجيش خلال العقود الماضية لا تخفى على أحد، وكلما تأخر حل المشكلة؛ طال أمد الحرب وتعقدت تشابكاتها الداخلية والخارجية.

ليس فقط أبناء جبل العرب لا يلبون دعوات الاحتياط والجندية، وإنما معظم الشبان من مختلف مكونات الشعب السوري الأخرى التي أضحت تعتبر الحرب في سورية حربًا بالوكالة وليست حربها. عشرات آلاف الشبان من محافظتي اللاذقية وطرطوس يتخلفون، وقسم كبير منهم غادر البلاد إلى لبنان وقبرص وأوروبا، وعشرات آلاف الشبان من المحافظات الشرقية الحسكة والرقة ودير الزور آثروا الالتحاق بـ (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) لأنها تؤمّن لهم ظروفًا مالية أفضل مما هي عليه في الجيش النظامي. وعشرات آلاف الشبان من محافظات أخرى يتخلّفون عن الجندية، مثلما يرفضون الالتحاق بجماعات المعارضة المسلحة.

المجندون السوريون الذين يبذلون دماءهم على جبهات القتال لا يخفون دائمًا شعورهم بالغبن، حيال الفروقات الكبيرة ببنهم وبين أقرانهم في الميليشيات الطائفية التابعة لإيران والميليشيات السورية التابعة للنظام أو في الفيلق الخامس الذي شكلته روسيا، أو حتى مع المقاتلين في صفوف الجماعات المسلحة المعارضة.

يخطئ من يظن أن تحرير المختطفين من نساء وأطفال جبل العرب، وإبرام الصفقات المشبوهة مع بعض الزعامات التقليدية ورجال الدين، سوف يُساعد في إغلاق ملف المتخلفين عن الخدمة العسكرية برفع الغطاء الأهلي عن كل الذين لم يُلبوا دعوات الجندية والاحتياط، طالما لم تتغير الظروف ذاتها التي دعتهم إلى التخلف، مثلما أخطأ من قبلُ بربط قضية المختطفين بقضية التخلف عن الجندية، لأن تحرير المختطفين المدنيين، بأي وسيلة، ليس منّة من أحد على أحد، إنما هو مسؤولية الدولة، كما حمل هذه المسؤولية الشرفاء من المجتمع المحلي، ومن جميع أبناء طائفة المسلمين الموحدين الدروز في العالم، ولقد مر أسبوعان على تحرير المختطفين، وأسبوع على زيارتهم وذويهم إلى القصر الرئاسي، ولم يلتحق أحد بالجندية، رغم البروباغندا التي مارستها السلطة وتوابعها، سوى 250 شابًا أظهرت احتفاليتهم أمام شعبة التجنيد في المزة أن ثمّة دراما تُصوّر هناك شبيهة باحتفالية دراما الانتصار على (داعش) في بادية السويداء وتحرير المختطفين.

أبناء جبل العرب ليسوا ضد الخدمة العسكرية، وليسوا ضد جيش وطني يذود عن أرض البلاد ويحمي العباد ومصالحهم، وإن كان رفضهم الالتحاق بها في حربٍ ليست حربهم، فإنهم يُوجّهون رسالة مفادها أن الحرب بين السوريين لا يمكن أن تحلّ مشكلاتهم، إنما تزيدها تعقيدًا وتشبيكًا مع الخارج الذي لا يراهم إلا بعين مصالحه، وإن جبل العرب اختار منذ البداية السلم الأهلي، وهو يعتبر أنّ عدم تلبية أبنائه لدعوات الخدمة الإلزامية والاحتياطية يندرج ضمن هذه الاستراتيجية، ويعزز تاريخيتها وفلسفتها. وعندما تذهب البلاد كلها إلى حل سياسي يوقف القتل والاقتتال، ويتيح عملية تغيير ديمقراطي، تتزامن مع عملية إعادة إعمار وعودة جميع اللاجئين والنازحين والمهجرين إلى ديارهم، وإعادة هيكلة وتنظيم جيش وطني لكل السوريين، عندئذ يتشرف كل شاب سوري بالانتساب إليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق