سلايدرقضايا المجتمع

“لوبيات” تحمي جرائم الأسد

الصورة على شاشة تلفزيون النظام مقسومة نصفين: الأعلى يُظهر قوس النصر في العاصمة الفرنسية باريس، وقد تصاعد دخان القنابل المسيلة للدموع؛ والآخر يُظهر العاصمة دمشق، والحياة فيها تسير بشكل “طبيعي”. الرسالة التي أراد النظام إرسالها إلى جمهوره: بعد كل شيء، تنعمون بهدوء وأمان، حتى لو قتلت مليونًا منكم، وهجّرت بضعة ملايين، فدمشق تتفوق على باريس في فرض الهدوء.

هدوء في ذروة الثورة كان يفرض على كل شيء، من “نعمة المطر” إلى عبور اللاجئين لزيارة الأهل في تركيا، إلى قائمة يصعب حصرها هنا، في هرم أكاذيب النظام وإعلامه وأبواقه، لذا لن يأتي إعلام النظام على ذكر انصياع السلطات الفرنسية، لمطالب أصحاب السترات الصفراء، ومطالب المتظاهرين، بإلغاء كامل ضريبة الوقود.

كان من نتيجة التظاهرات الباريسية وبعض المدن المؤازرة، والمعطيات الجديدة التي تمخضت عنها، أن فكرة الانصياع لمطالب الشعب هي المفروضة، طالما أن السلطة هي للشعب بنظام ديمقراطي برلماني، لا يمكن لهذه المعادلة والمقارنة أن تكون موضع نقاش، في ذهنية إعلام الأسد ومناصريه، إلا من خلال الوقاحة بمطالبة السلطات الفرنسية احترام المتظاهرين وحقهم بالتعبير.

لكن في غمرة الحديث والبحث عن مخرج سياسي لأزمة النظام، باجتماعات ثنائية ومتعددة، من أنقرة إلى أستانا وموسكو وواشنطن، مرورًا بعمّان وتل أبيب، يجتهد فيها المجتمع الدولي لتثبيت بعض الحقائق، وبعد سلسلة طويلة من المجازر والدمار غير المنتهي؛ أخذت بعض الأقلام المحسوبة على النظام ومحوره تنهمك في معالجة ما نتج من آثار لهذه المجازر وحملة التدمير المنهجي التي تولى النظام الإشراف عليها في جهات سورية الأربع، وللخروج باستنتاجات وتوصيات تُساعد الأسد في المضي إلى الأمام، في ملفات الإفلات من العقاب والترويج لمشاريع إعادة الإعمار، وإكثار الحديث عن العودة الطوعية للاجئين، بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية لها مصلحة بتنفيذ عددٍ من بنود تمكين النظام بإخضاع السوريين، وبغرض المساهمة في توجيه سياسية الأسد تجاه جملة من الموضوعات ذات الصلة بانقضاضه على المجتمع.

لسنا هنا في مجال تحليل وجهة نظر هؤلاء تجاه الثورة السورية، بل بصدد إلقاء الضوء على وجهة نظرهم تجاه موضوع معين يتعلق “بالسوريين” عمومًا، ونخص اللاجئين والمنتفضين على نظام الأسد، وقبل الخوض في هذا الموضوع، نجد أن من المفيد تسجيل الملاحظات التالية:

اهتمام النظام السوري بـ “اللوبيات” الإعلامية العربية والإقليمية، بسبب الحاجة الملحة إلى توصياتهم الناجمة عن آثار المجازر والمذابح التي اقترفتها قواته وعصاباته المستوردة، والاهتمام أكثر ببعض اللوبيات القريبة من الدوائر الأمنية العربية والغربية، لحاجة النظام إلى تقييماتهم للأوضاع السائدة، بعد الكوارث التي ألحقها النظام بالسوريين. وليس غريبًا أن يكون قادة أحزاب سياسية وزعماء نقابات صحفية ومهنية مرتبطة أساسًا مع أجهزة استخبارات بلدانها، في مقدمة تأمين الأجواء الملائمة للنظام والدفاع عن جرائمه تارةً، وإنكارها تارة أخرى، وتقديم تقييمات تحدّ من قيمة وقدر ومكانة السوريين.

إزاء هذه المكانة التي يحظى بها هؤلاء عند النظام، نجد أن نصيب مكانة تحليلاتهم واستنتاجاتهم، وخاصة المنشورة منها والمعلنة، تقلّ عن المكانة الأولى، فهي تبدو متناقضة ومغلوطة، ويكمن هذا التناقض في أن الفهم القائل لهذا اللوبي، بأن ظرف النظام الراهن يمكنه من إعلان النصر، والحديث عن كل الملفات المتعلقة بالسوريين، يولّد إصرار بعض لوبيات الأسد على توفير عمقٍ يمكنه من تنفيذ مشروعه المطروح عن سورية “الأنظف والأنحف”.

من المعروف أنّ من ضمن اللوبيات التي روّجت عن السوريين حكايات تقترب من ذهنية الأسد، شخصيات تتبوأ مكانة “مرموقة” في أحزاب سياسية وبرلمانية ونقابية، والأهم فيها من يعتلي ناصية حركات تحرر وطني تناضل ضد المحتل. وإذا ما استثنينا مكانة هؤلاء وشهرة بعضهم؛ فإننا نجدهم يعملون في موضوع يعتبر “الحل الصحيح” لأحجيات النظام عن تشاركية الشعارات معهم، حتى غدت القضية “قضية حياة أو موت”، من خلال ربط مصيرهم بمصير الطاغية.

تقديم التحليلات الجمّة، قُبيل كل مذبحة في سورية، التي أجمع كاتبوها أو مذيعوها على إلصاق تُهم الإرهاب والارتزاق والعمالة بالسوريين، والطعن من خلال هذه الفرية بكل مطالب السوريين وبمواقفهم من النظام، واعتناق فكرة “العدم” من خلال الغطرسة التي خلقتها معطيات تعاطي النظام مع الشعب السوري ومع ثورته، لم تكن موجودة في الإعلام الفرنسي، وما تزال لوبيات الأسد تحاجج على إظهار أفضلية هدوء عاصمة مغلولة بجنازير الاعتقال لسوق أبنائها لخدمة العصابة، مع المدن الأخرى المثخنة بمذابح وأفران الأسد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق