مقالات الرأي

النَّصب والنَّصب

هما كلمة واحدة متعددة المعاني، متطابقة في الرسم والحركات، جذرها “نَصَبَ” ومصدرها “النَّصْبُ” والمعاني الناتجة عنها واحدة في الجوهر، وإن اختلفت في الشكل.

وسواء كان النَّصب هو التمثال وجمعه (نُصُبٌ وأنصاب)، أو كان يدل على الاحتيال والغش، وصاحبه (“نصّابٌ” وجمعه نصّابون)، ومهما اختلفت الحركات وتنوعت الصروف؛ فالأنصاب سواء أكانت (حجارة، أصنامًا، تماثيل، صروحًا) ما هي إلا شكل آخر من أشكال النّصب؛ أي التضليل والخداع.

وقد احتاجت -حتى الآلهة في الأعالي- إلى نصب أوثانٍ تمثلها (تجسدها على الأرض)، وتنوب عنها في تخويف الناس وعبادتهم لها! فأول ما تفعله الديانة أو العقيدة “الجديدة”، هو تحطيم الأصنام القديمة (المادية والروحية)، كما حدث في الإسلام. لكن الكعبة المشرّفة سرعان ما تحولت إلى أضخم صنم (بلغ ارتفاعه خمسة عشر مترًا)، يحج إليه ملايين المؤمنين، باعتبار الحج طقسًا وركنًا أساسيًا من أركان الدين لـ “من استطاع إليه سبيلًا”، يكسونه -كل سنة- بثوب جديد موشى بالذهب، يرمون الشيطان بالحصى (الجمرات) وينحرون فيه -باسم الله- ملايين الخراف (الأضاحي). وإذا كنا لا نجد تمثالًا أو حتى صورة واحدة للنبي محمد، أو أي من خلفائه الراشدين، ومن تلاهم من أمويين وعباسيين وفاطميين وغيرهم (تحريم التجسيد والتصوير)؛ فشهوة السلطة (السياسة) التهمت المعتقدات الدينية، بعد موت مؤسسها مباشرة، كما التهمت المعتقداتُ الدينية السياسةَ، وتحولت قبور الأولين (الصحابة) وسيرتهم إلى صروح جديدة، متجددة عصية على النسيان، ولا يستطع الزمان هدمها أو ثلمها، كما تفعل –عادة- الريح والأمطار والأحوال الجوية.

لسنا معنيين بتدنيس مقدسات أحد، أو حتى نقدها، إنما نسعى إلى فهمها، والابتعاد –قليلًا أو كثيرًا- عن أساطير وخرافات ردمت عقولنا وإنسانيتنا. فالدين (السلطة) هو من ابتدع فكرة التمثال ووظيفته (الطوطم، الوثن، المعبد)، والدين (السياسة) هو من استبدل الأصنام بأصنام جديدة. وهذه ثقافة عميقة الجذور، لم يبتكرها كبير آلهة اليونان (زيوس) ولا الرومان (جوبيتر)، ولا موسى أو عيسى أو بوذا أو غيرهم من الأنبياء، بل كانت موجودة حتى قبل الفراعنة والسومريين وعبدة النار… وآمنت بها الديانات كلها بشكل أو بآخر…

والنصب (الوثن) في جوهره، لا يمجد من نصّبَ نفسه، سواء كان آلهة أو جنرالًا؛ إنما يجمّد –أيضًا- الزمان والمكان (العهد)؛ فهو سلطة وسطوة واستعمار حجري أو برونزي أو خشبي (دنيوي)، لا يهيمن على الأرض فحسب (الساحات والشوارع ومداخل المدن)؛ بل على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم، حيث يصبح مرعبًا أكثر من صاحبه؛ ويتحول من رمز عقائدي إلى واقع مادي (وثن) تعبده الناس وتتوثّن به.

النّصب الوحيدة التي لم تعد تلعب هذا الدور السياسي/ العقائدي، هي تلك الغابرة الدارسة المكتَشفة في المدن البائدة والمغاور القديمة والصحاري الخالية، وشواطئ البحار ورؤوس الجبال، والتي تتحول إلى صروح ثقافية أركيولوجي Archaeology، تفصح عن تاريخ ومعتقدات، وثقافات مجموعات بشرية، عاشت منذ آلاف السنين، فالنصب مثل البشر تمرض وتموت ماديًا، وتتحول معنويًا إلى فكرة. وهي ليست خالدة ولا أبدية، كما يدعي البعض، حتى وإن كانت تعبر عن قيمة إنسانية خالدة، فكرية أو ثقافية أو دينية أو وطنية…! فما بالك بتماثيل ونصب الأنظمة الدكتاتورية العابرة، التي تدجّن شعوبها، وتحتاج -فوق ذلك- إلى من يحرس تماثيلهم ويحميها؛ تلك التي يتلطون خلفها، وتعيش في ظل حرابهم، ثم تندثر بعد موتهم وزوالهم، كما اندثرت تماثيل كثيرة قبلها، ولم يعد يذكرها أحد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: cash asap

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق