أدب وفنون

عرس ديمقراطي

فوجئَت “بلدة البصوقية”، وهي في خضمّ العملية الانتخابية، بظاهرة غريبة، وربما غير مسبوقة، حيّرَت العارفين والدارسين والمراقبين الدوليين، ورجال السياسة المحليين الساهرين على راحة المواطنين ونجاح التجربة الديمقراطية… فوجئ الجميع بصور “قائمة الجبهة” ملصوقة على مؤخّرات اثني عشر حمارًا، تحت ذيولها مباشرة، في أماكن تجمع المواطنين للدبكة والهتافات! كانت الحمير تروح وتجيء بصور المرشحين المعروضة على مؤخراتها، مع ما يقتضي ذلك من تلطيخ رؤوس تلك الصور بما يزرب بين الحين والحين فوقها، وكانت الفضلات “الحمراوية الفشكاوية” في مسيرتها النازلة على وجوههم الضاحكة المبتسمة المتفائلة بالمستقبل، ترسم علامات استفهام، وأحيانًا خرائط جيو سياسية، حمّالة لكثير من القراءات والتآويل الغريبة!

طبعًا، تمّت عملية إزالة الصور بالسرعة المتاحة، لكن بعد أن شربت حتى ارتوت من ذلك المعصور الملوّن بامتياز، وتم كذلك إتلاف البعض منها حرقًا، بقرار لجنة مشتركة، وبمحضر رسمي موقع نظامي حسب الأصول. وتُركت الحمير وشأنها تذهب معافاة سليمة، دون أن يتعرّض أيّ منها لأي أذى أو تأنيب أو عتب، وذلك في رسالة رمزية موجهة على شكل شوكة في الخاصرة تنكز المشككين في نزاهة الانتخابات، ومن ورائهم الدول المحرّضة، بخاصة تلك التي ما تزال ترتاب في حقيقة انتخابات “بلدة البصوقية”، وما تنفكّ تروّج بأنها فارغة مفرّغة عبثية، وغير ضرورية، لأن الفائزين، ومعهم الراسبون-كما تزعم تلك الجهات- معروفون محضّرون مسبّقًا. حتى إنّ بعض الغلاة الموتورين المعادين، طالما روّجوا إشاعات بأنّ الفائزين في “البصوقية” وكافة البصوقيات الأخرى، تتمّ تهنئتهم بالفوز بمجرد أن تنزل أسماؤهم في القائمة! وهكذا سيكون تركُ الحمير تذهب سليمة معافاة ودون مساءلة، هو في حدّ ذاته مؤشّر عملي على أن الطناجر الكبيرة في “بلدة البصوقية” تعوّدت أن تسع الطناجر الصغيرة، وتستوعب قلة خبرتها في التحريك والطبخ والنفخ.

لكن ما حدث في اليوم التالي، أعاد مرة أخرى إلى الواجهة قضية الصور والحمير، حيث فوجئت البلدة مرة ثانية بظهور مجموعات جديدة، وبالصور والمشاهد نفسها، مع اختلاف فقط في عدد الحمير، فبعد أن كانت في المرة الأولى اثني عشر حمارًا حاملين صور مرشّحي الجبهة على مؤخراتهم، غدوا هذه المرة أربعة وعشرين حمارًا، وبدل أنها كانت تسرح في الساحات المخصصة للدبكة والأهازيج، باتت تسرح هذه المرة في الشوارع العامة، وتتجمّع أمام مكاتب فروع النقابات.

وكما في المرة الأولى، تنادت الجهات المعنية مباشرة لنزع الصور، واعتقال الحمير هذه المرة لأجل التحقيق معها، لأن المسألة بدأت تشير إلى مؤشر سلبي غير معتاد في البلدة، ولا بين جماهيرها. لكن ما إن تمت عملية الإزالة والاعتقال، حتى انتشرت الظاهرة بشكل أوسع وأدهى -ربما كردة فعل معاكسة- فبات نصف حمير البلدة على الأقل، يحملون على مؤخراتهم وتحت ذيولهم صور أعضاء الجبهة، غادين رائحين، ويشهنقون –الحمير طبعًا- بأنكر الأصوات، ويلبطون بأربعات القوائم، دون أن تتساقط الصور أو تتقفّع أو تنشقّ، فقط كانت تهتزّ وتتمايل يمنةً ويسرة مع البقع “الفشكيّة” المتشكلة على الوجوه والأطقم والياقات غاليات الثمن.

“والله أمر غريب! كلّما نزعنا صورة عن مؤخرة حمار هنا، ظهرت بعد ساعات فقط عشرات الصور على مؤخرات العشرات من الحمير هناك! وكلها تعنظز وتشهنق بلا توقف ولا خجل!!

أوقفوا هذه المهزلة فورًا وبسرعة!!”

أمر رئيس اللجان المشرفة على العملية الانتخابات، بنبرة غاضبة لا تخلو من ضيق صدر ونفاد صبر، ما دفع الجهات المعنية إلى إعلان النفير العام على مستوى المحافظة، وعقدت على الفور اجتماعات مكثّفة في الأفرع المختصة، للدراسة وإعطاء الأجوبة المقنعة بالسرعة القصوى، قبل أن تتسرب الأخبار المزورة إلى القنوات المغرضة، فتعمل من “الحبة قبة” ومن شهنقة الحمير تظاهرات جماهيرية!  في الوقت نفسه، تمّ تشكيل لجان متحركة للمراقبة والمتابعة، وتجفيف مصادر الحمير بالقدر الممكن، بحيث إن عدد أعضاء اللجان في اللجان، يجب أن يكون بالضرورة أكثر من عدد الحمير في البلدة، وذلك لضمان الوصول إلى النتائج المأمولة، وبالتالي كشف النقاب عن الجهات المتورطة في هذه المهزلة التاريخية.

وهكذا بات المسؤولون والمرشحون والتابعون والمواطنون النظاميّون على حدّ سواء، في شوق لمعرفة الجهات التي تتلطّى خلف هذا الأسلوب المتخلف من النقد المريب. لكن الغريب الذي لم يصل إلى تفسيره أحد، سواء من اللجان المشرفة، أم المشكلة للدراسة، أم المتنقلة لأجل متابعة الظاهرة، أم من جميع المكلفين بمراقبة تحركات الحمير، أكانوا في الزرائب أم في الحواكير، أم على الطرقات الترابية الجبلية، أم من النازلين من مجهول الجهات إلى الساحات والشوارع العامة.. اللجان كلها جميعًا فشلت في إيقاف تدفّق الحمير بالصور الملونات المعلقات على المؤخرات وتحت الذيول المرفوعات!

لذا، أخيرًا، ورغم كل شيء، كان لا بد من التصرف الحكيم والحسم معًا، وأخذ القرار العاقل الملزم بهذا الشأن، فتمّ تسجيل الحدث، كما هي العادة، ضدّ مجهول موتور.  وتابع العرس الديمقراطي طريقه كالعادة، رغم التعثّر الطفيف الذي اعتوره جرّاء الأصوات المنكرة التي حاولت أن تتداخل مع هتافات الجماهير السعيدة بعرسها الديمقراطي. وتمت العملية الانتخابية على خير وجه، وبنسبة تصويت عالية جدًا، كما هي العادة، وسقطت المؤامرة، كما هي العادة، واستمر الاحتفال بعرس النصر ثلاثة أيام بلياليها، كما هي العادة، إثر إعلان نتائج الانتخابات رسميًا، من دون منغصات تذكر، كما العادة.

لكن، رغم هذا النجاح في وأد الفتنة، بقي ثمة، في مكان ما من الجسد الديمقراطي “البصوقي”، وخزة مزعجة، تظهر ثم تختفي، تروح ثم تجيء، وتحديدًا في الضمير الحيّ الذي لم يصل إلى تفسير حاسم لدلالة الجملة الحاسمة في نهاية الخطاب الرسمي، الذي وعد الإخوة المواطنين أن يكون العرس الديمقراطي القادم من دون حمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق